موضوع

“تينهنان”.. ملكة الهقار التي حكمت ثلث القارة الأفريقية

الحديث عن  الملكة  تينهنان كالحديث عن الأسطورة، إذ لم يحدد علماء التاريخ على مرّ السنين والقرون من تحديد لا سنة ميلادها ولا حتى تاريخ رحيلها عن الحياة .

ولكن حسب المؤرّخين في كتب التاريخ. فهي الأم الروحية للطوارق ورأس قبائلهم، فقد حكمت في القرن الخامس الميلادي. وكانت كبيرة شأنهم بحيث كان يرجع  إليها القوم أمرهم داخل المجتمع “الطارقي” الذي لا يزال يستمد السّلطة إلى يومنا هذا من حكمة المرأة.

عرفت تينهنان عند المؤرخين بلقب “أم الطوارق” وتتفق الروايات التاريخية على أن تينهنان والتي يعني اسمها “ناصبة الخيام”. تعرّضت لمضايقات من أسرتها الحاكمة في تافيلالت بجبال الأطلس خلال  القرن الخامس ميلادي. إذ أجبرت على الزواج من أمير أفريقي، فرفضت ثم فرّت رفقة حاشيتها نحو الصّحراء.

ظلت تينهنان ومن معها يسيرون في الصّحراء الشاسعة أياما وليال. فنفذ منهم الزاد والماء حتى كادوا يهلكون، إلاّ أن الخادمة “تاكامت” تفطنت إلى أسراب النمل وهي تحمل حبات الشعير، فعرفت تينهنان أن الماء لن يكون بعيدا. فاقتفوا مسار النمل وبعد مسير طويل وجدوا ينابيع ماء تصب في برك كبيرة. يطلق عليها اسم ترڨة، ومنها جاء اسم التوارڨ»، أي الطوارق.

 فاستقرت هناك وتمكّنت أن تنتزع ودّ الساكنة. لحصافتها وحنكتها وحسنها. ولتبدأ بتشييد نواة مملكتها الجديد. فسرعان ما أصبحت أول ملكة من سكان الصحراء وبسطت ملكها على من باتوا يعرفون باسم الطوارق.

كانت مملكة تينهنان تمتد من صحراء ليبيا إلى التشاد ومن الجزائر إلى مالي. ومن النيجر إلى موريتانيا. وهو ما يعادل مساحة ثلث القارة الأفريقية وتنحدر من مملكتها جل قبائل الطوارق الموجودة حاليا .
عرفت تينهنان بالحكمة وسداد الرأي. ما أهّلها إلى أن تسيّر علاقاتها مع المحيط الجديد الذي انتقلت إليه فأدخلت تقاليد جديدة على مملكتها. لاسيما  أساليب تخزين الطعام والاستعداد الدائم لمواجهة العدو وقهر الغزاة القادمين من الشرق. وقد وقادت تينهنان حروبا ضد القبائل التي كانت طامعة في مملكتها. فطوَّعتها جميعا، إذ كان رجال مملكتها يطيعون أوامرها.
تزوجت تينهنان وأنجبت أولادا وبنات أشهرهم «أهقار». الذي أُطلق اسمه على جبال «الهقار» في منطقة تمنراست

والذي ينسب إليه أصل ارتداء اللثام من طرف رجال الطّوارق. بسبب هروبه من إحدى المعارك. وهو في طريقِ العودة. أحسّ بندم شديد بعد أن تنبّه أن ذلك الصّنيع لا يليق بقائد جيش وابن الملكة تينهنان. “فبقي مرابطا بجيشه على مشارف الدّيار مدّة شهر كامل لا يستطيع الدّخول مخافة ملامة النسوة له. ولمّا طال بهم الحال ونفد ما معهم من الزاد، وجدوا أنفسهم مجبرين على دخول الدّيار. فما كان من القائد سوى أن يغطّي وجههُ الذي يحمل ملامح العار وكذلك فعل بقية جنده. وبقوا على تلك الحال طيلة حياتهم. وكذلك فعل من جاء بعدهم، حتّى أصبح الأمرُ تقليدا مفروضا إلى يومنا هذا.

كما برعت هذه الملكة الأمازيغية في التجارة. وأقامت علاقات مع قبائل جنوب الصحراء. ما ضمن لها ولمملكتها الحياة.

أضِف إلى ذلك، أنّ مجوهرات الحلي والإكسسوارات الفضية أو المذهّبة التي ترتديها نساء الأمازيغ. إلى اليوم، كانَت مستمدّة من أذواق تينهنان، وفق بعض المراجع.
لم يكتشف موقع دفن الملكة تينهنان إلا في سنة 1925. من طرف بعثة فرنسية أمريكية مشتركة في «أباليسا» بالهقار، جنوب الجزائر.
ويرقد الهيكل العظمي لتينهنان، منذ أكثر من نصف قرن. داخل صندوق زجاجي وتظهر محاطة بحليها الذهبية والفضية ولباسها الجلدي في متحف الباردو بالجزائر العاصمة. بعد نقلها من ضريح «أباليسا» بالهقار.
تركت تينهنان خصوصية واضحة في مجتمع الطوارق. وهذا ما يؤكده المؤرخ الشهير، ابن خلدون. حين يتحدث عن الطوارق ويصفهم بأنهم «أبناء تيسكي». ويعني أبناء المرأة العرجاء، وهذا يتطابق مع ما توصلت إليه أبحاث الحفريات. التي أكّدت أن تينهنان كانت عرجاء، ففي إحدى المعارك. أصيبت تينهنان بجرح في رجلها، ما جعلها تعرج في مشيتها. ثم تحوّل الجرح إلى «غرغرينا» ما تسبب في وفاة هذه الملكة العظيمة.

ظلت تينهنان بمثابة شمس لا تغرب إطلاقا بالنّسبة للطّوارق. فمن الصّعب بمكان، إن لم نقُل من المُستحيل. أن تجد طارقياً لا يعرف سيرتها وقصّتها وإلى اليوم  يتمّ تكريم تينهنان، عبر الاحتفال بمهرجان يحمل اسمها في الجزائر.


اكتشاف المزيد من قناة جيل دي زاد | Jeel Dz Tv

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى