المجلة

حديقة إسلامية في برلين مزيَّنة بأبيات شعر عربية.. قصة الجزائري الذي صمَّم أجمل الحدائق في العالم

يتذكر كمال لوافي أن أمه حيزية كانت تغرس في حديقة البيت الكائن بشارع الإخوة قليل وسط بباتنة، زعرورا وتينا وعنبا، ووردا دمشقيا أصيلا، لكنه ما توقع أبدا أن تعود صور ذكريات هذا الورد إلى الظهور بعد 30 عامًا،

أثناء تصميمه الحديقة الإسلامية الشرقية في برلين، ألمانيا. وحتما، اندهش وذهل، عندما رأى أن الورود التي في يديه هي نفس الورود التي كانت والدته، حيزية، تزرعها منذ عقود.

يخبرنا تاريخ وردة دمشق أن الحجاج من مكة أو التجار الذين ذهبوا إلى دمشق عادوا بها، أما أشهر بستاني في العالم فقد استبدت به مفاجأة صور الطفولة الحالمة، في خلال وبعد، تصميمه لأجمل حدائق الدنيا. لذا، فبالنسبة إليه، ستبقى هذه الحديقة الإسلامية الشرقية هي الأهم في مقارباتها بالتركيبات الناشئة عن أنشطة البستنة التي كان تقوم بها والدته في مرحلة صباه. وجزما، ستذكرنا في جميع الأوقات بأن القبر الحقيقي للغائب يمكن أن يكون انعكاسًا لحديقة -هنا جنان حيزية -في قلوب الأحياء.

وإلى الأبد، سيظل اسم والدته ووردها خالدين، ليس فقط في قلبه، بل مخلدين في قلب واحدة من أجمل الحدائق في العالم

كمال الوافي

1/ سافر من أجل شراء آلة فوجد نفسه طالباً بجامعة برلين
درس المرحلة الابتدائية في “جامع الفقراء” الاسم الشعبي الظريف الذي يطلقه العامة على مدرسة الأمير عبد القادر بمدينة باتنة، الواقعة شرقي الجزائر، قبل أن يتخصص في الهندسة الطوبوغرافية، ويصبح موظفاً حكومياً مختصاً في الجرد الغابي. وحتماً ساعده ذلك على التعرف على غابات ووديان الأوراس الشاسع في بني ملول الواقعة على تخوم حظيرة شيليا، المائجة بأشجار الأرز الأطلسي والصنوبر الحلبي والأكيا فاكتسب أولى تجاربه الاندماجية والروحية مع الطبيعة، ثم تشاء الصدفة، لمن كان شغوفاً بالمعرفة والاكتشاف والسفر إلى بلدان العالم بإفريقيا وآسيا وأوروبا، أن يحط الرحال بألمانيا العام 1980.

لقد جاء خصيصاً، إلى هنا، من أجل شراء آلة لإعداد الخرائط، ليكتشف مناخاً حاضناً يؤهله ليكون مهندس بيئة ومصمماً في معمار الحدائق، فسجل للدراسة بألمانيا التي استقر بها طالباً، ولتدبير أحواله اشتغل سائق تاكسي، وقد وصف تلك التجربة بأنها كانت الأروع في حياته، لما اشتملت من فرص نادرة للتعرف على ركاب من مختلف الجنسيات والأعراق والديانات والاستمتاع بحكايات وقصص تجسد هموم وأحلام بشر مختلفين يشتركون رغم تنوعهم في الجذر الإنساني الواحد.

2/ فاز بمشروع حدائق العالم قبل أن تبدأ وكالته العمل
في العام 1986، وعقب تخرجه في جامعة برلين التقنية، بدأ كمال الوافي عمله كمهندس مستقل وبرتبة رئيس مشروع في مكتب الدراسات الشهير “مولر ويبرغ نيبسشيلد”، مشرفاً على عدد من الحدائق الهامة في لوكسمبورغ وبرلين، بينها متحف برلين مع قسم التاريخ اليهودي الذي أشرف عليه دانيال ليبسكيند، بيد أنه قرر لاحقاً إنشاء مكتب دراساته الخاص في العام 1994، وبعد تأسيس وكالته الخاصة كان يدخل مغامرة مجنونة؛ إذ شارك في مسابقة دولية لإنجاز حدائق العالم الخاصة بالمعرض الدولي بهانوفر الموسوم إيكسبو 2000، قبل أن تبدأ مؤسسته العمل.

تقدمت للمناقصة العالمية قرابة 200 مؤسسة دولية مختصة، ويوم أعلن عن الفائز، كان عدد كبير من المشاركين الذين يراكمون عقوداً من الخبرة والتجربة ينظرون إلى بعضهم البعض وهم يتساءلون: “من هو كمال الوافي؟”.

يقول لي: “كانت مفاجأة عظيمة، فمن المعروف أن هذا النوع من المشاريع لا تفوز به مكاتب الدراسات سوى في نهاية تجربة راسخة، لكني نلته في بداية الطريق وقبل أن تبدأ شركتي في العمل، وأظن أن الذي كان حاسماً لاكتسابي المشروع هو فلسفتي، حيث اعتمدت فكرة لامعة تقود المشروع رويداً رويداً حتى يكتمل ليقدم صورة شاملة”.

وهكذا توّج بالجائزة حين نجح في تصميم حديقة على مساحة خيالية تتربع على 200 هكتار من الحضائر، وقرابة 720.000 متر مربع.

تلخصت فكرته البديعة في تنفيذ مشروع بيئي خالص، وفي موضوع ذي سياق متعلق بثلاثية “الإنسان والطبيعة والتقانة”، فاعتمد على تقنية تدوير مياه الأمطار المتساقطة، لإعادة استرجاعها واستغلالها في السقي وفي دورات المياه وفي الاحتياجات اليومية لموظفي الإدارة، جامعاً بين فكرة قديمة للفيلسوف هيراقليطس حول “النهر الخالد” الذي يتغير باستمرار، لكنه لا يضيع ماءه، وبين تلك التشبيهات العصرية التي ربطت بين معنى النهر الجاري وتدفق الإنترنت الأزرق

3/ طفولة الورد الدمشقي وأنهار جنة الفردوس
بدا كما لو أن القدر شرع له أبواباً فكان من الصعب عليه أن يرفض منحة سماوية تهيأت له في أحد المواضيع الأقرب إلى وجدانه وثقافته ودينه وتقاليده وحضارته، عندما أعلنت الحكومة الألمانية العام 2004 إطلاق مشروع تهيئة حظائر مارتسهان الشهيرة، بإجراء مسابقة دولية، لانتقاء أفضل العروض لتصميم حدائق من ثقافات مختلفة، رمزاً للتعايش والتناغم في واحدة من أكثر المناطق عنصرية وعداء إزاء المهاجرين والأجانب، فلم يكن عسيراً أن يفوز بالمشروع لتنفيذ “الحديقة الإسلامية” أو الجنان الإسلامي، يعترف: “الحديقة في ذاكرتي الطفولية وفي مخيال المسلمين، جزء من الجنة أو هي الجنة، لقد أطلقت عليها أول الأمر جنان الإسلام، لكن التسمية واجهتها موانع ثقافية وسياسية، فصممت أن أمضي بها إلى النهايات السعيدة وقد كتب لها النجاح الباهر بعد افتتاحها كواحد من أجمل المشروعات وأهم المزارات”.

عندما بدأ تجسيد المشروع خاض الرجل حرباً ذات طبيعة أخرى، عندما طلبت منه الحكومة الألمانية أن يبحث عن اسم بديل لحديقته، كأن يسميها الحديقة الشرقية عوض الحديقة الإسلامية، ثم بتفادي كتابة آيات قرآنية في الجدران والأعمدة، فقرر أن يتكيف مع مطلب الوزيرة يونغ راير، باستشارة الدكتور طالب الإبراهيمي نجل العلامة الشهير بشير الإبراهيمي، فقام بتدوين أبيات شعرية لأبي تمام وكان شاعراً مسيحياً تحول للإسلام في العصر العباسي وأخرى لأحمد شوقي من شعراء العصر الحديث، تدور متونها حول الورد والياسمين والماء، لكنه جسَّد فكرته الروحية من القرآن منشئا فيها أربعة جداول ونوافير ترمز للأنهار المذكورة في سورة محمد، الماء والحليب والعسل والخمر، حتى باتت تلك الحديقة شهيرة باسم آخر هو حديقة الأنهار الأربعة.

وفي هذه التحفة المعمارية، ذات الأقواس والبساتين، والمستوحاة من الطابع الأندلسي المريني، أي من تراث تلك القبيلة التي هاجرت من منطقة الزاب بالجزائر لتستقر على تخومها الغربية وتتمكن في داخل المغرب الأقصى من تأسيس مملكة مزدهرة، أبدع مهندس البيئة في تجسيد نموذج لقصر الحمراء ضمن سياق رائق يجسد التعايش الكبير الذي مثلته الأندلس، وقد طورت في العصور الذهبية حضارة إسلامية منفتحة على النصارى واليهود والعرب والبربر والأوروبيين، ولكي يجسد الزخارف الداخلية والزهرية التي كان تعلق بها إبداعياً عبر رسوم العبقري محمد راسم “1896.1975”، وهنرماتيس “1869.1954”، كان عليه أن يقوم برحلات مكوكية إلى مصر وتونس والمغرب ليجلب الخزف والحجارة التي تقاوم برودة المناخ الألماني، قبل أن يستقر رأيه على إسناد مهام التزيين لشركة حرفية مغربية تمتعت بخبرة طويلة في الاختصاص.

ولظرف طارئ كان يشد الرحال إلى مدينة باتنة لحضور جنازة والدته حدة حيزية التي ألّم بها مرض فارقت على أثره الحياة، فعاد إلى مشروعه بعد انتهاء مراسيم العزاء، ليعثر على مفاجئة مؤثرة، بعدما قام عماله المغاربة بتسمية رواق شرفي بالحديقة باسم والدته المتوفاة، يحمل عبارة “جنان حيزية”. يقول لي متأثراً: “كان هذا أجمل بين أجمل ما في الحديقة الشرقية، فهي مهداة لروح والدتي وطبعاً كان لهذا المشهد تأثير عظيم في نفسي، إذ إن الابن يخلد فنياً الأم التي وهبته الحياة، في جنان هو رمز للحياة، وقد جسدت فيه طفولتي وتراثي وديني”.

يروي لي على حافة الحنين للذكريات والتأثر: “لقد كانت والدتي حيزية تجلب معها ورد الجوري أو الورد الدمشقي لتغرسه في بيتنا بباتنة، وقد ظلت الصورة والرائحة عالقتين بذهني، لذلك قمت بغراسة ذلك النوار الشامي في الحديقة، حاملاً وناثراً عبق طفولتي للآخرين، لا بل إني تعمقت في دراسة ورود أمي على مدار ثلاثين سنة كاملة حتى كدت أصير دكتوراً في الورد السوري”.

في واقع الحال لم يغلق باب الهوية الدينية للحديقة الشرقية سوى قبل أشهر، حيث يوضح: “وأخيراً تم الترخيص لنا باستعادة اسم الحديقة الإسلامية لكننا فضلنا الاحتفاظ بالاسمين معا. ذلك أن مكتب الدراسات الذي أديره قرر عبر محامين رفع دعوى قضائية ضد السلطات الألمانية جراء ما يمكن تسميته “عنصرية الحدائق” بعدما تم السماح بإنجاز حديقة مسيحية وأخرى يهودية، تحويان رموزاً دينية واضحة، فكان من الطبيعي أن أرفض الكيل بمعيارين، وقد قبلت السلطات إعادة التسمية السابقة منذ أربعة أشهر ليقينها أن مطلبنا شرعي وإنساني يرفض التمييز في مشروع كان موجهاً بالأساس من أجل تلاقي الثقافات وحوار الحضارات”.

4/ الهرم الفارغ: تذكير بالآثار المنهوبة من قِبل الحملات الاستعمارية

يراكم مهندس البيئة ومصمم الحدائق العالمي في حافظة مساره، عدة مشاريع فذة قام بإنجازها، تجعل منه الرجل الأول في الاختصاص خلال الوقت الراهن، وهذه المشاريع المنجزة توزعت عبر دول ومدن عالمية، مثل ساحات وبساتين برلين، وروستوك، وكاسل وحديقة إيست بوكاج ببريمن، وساحة الأوبيرا بهانوفر، وساحة المقاومة في إيش سور ألزيت بلوكسمبورغ، وحدائق الزيبان ببسكرة في الجزائر، كما اشتغل على تصميم تصاوير هندسية لمشروع حديقة مسجد الشيخ زايد بأبوظبي، و”حدائق الأمة” الذي أطلقه الأمير فيصل بين مدينتي مكة وجدة، فأنجز تصاويره ورسومه الأولية، قبل أن يقبر المشروع برحيل الأمير من منطقة جدة.

ومثل لاعب خفة لا يمل صاحب النظرة الهادئة والشعر الطويل من استخراج الأعاجيب الفنية من طاقيته السحرية، إذ من المقرر أن يقدم شهر سبتمبر/أيلول المقبل 2022، بالجزائر العاصمة ومسقط رأسه باتنة، وتحت رعاية وزارة الفنون والثقافة الجزائرية والسفارة الألمانية، معرضه الخاص الذي ينطوي على عدة أفكار أساسية، هي جردة دقيقة لأعماله المنجزة، والمنجزة غير المكتملة، والحائزة على جوائز عالمية، كما يقدم مجسمه الهرم الفارغ، المدعوم بظرف هوائي، بارتفاع 110 أمتار وبمقاسات 180/ 180 متراً، إذ يمكن الجلوس والتجول داخله، ويطرح ذلك الهرم الفارغ تساؤلات هامة، قد يطرحها كل زائر، عن الآثار المنهوبة وضرورة إطلاق نقاشات مطلبية لاسترجاعها بعدما نهبها المحتلون من شعوبها الأصلية، تماماً كما أفرغت الأهرامات المصرية من كنوزها وتراثها خلال الحملة الفرنسية وفترة الحماية البريطانية.

وككل فنان يبدو كمال الوافي ذا تفكير فلسفي وجودي، لذا فإن هذا المصمم العالمي الذي جسد الجنان في عالم الشهادة، يحمل رؤية لما بعد الموت، بحثاً عن الجنة الحقيقية، ولذلك أنجز عملاً آخر يستنطق فيه مصير البشر الحتمي، يذكر فيه سكان العالم السفلي، بأن هناك حياة غيب أخرى، عندما يطوي القدر حياة كل مخلوق طيّ السجل للكتاب.


اكتشاف المزيد من قناة جيل دي زاد | Jeel Dz Tv

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى