اقتصادموقع الشروق

تصدير طاقات الشمس والرياح.. رهان آخر للجزائر

في وقت يتخوف الكثيرون من نضوب آبار الغاز والنفط، أو على الأقل تهاوي سعر برميل “الذهب الأسود” في السوق الدولية، بعد انتهاء فصول الحرب الروسية الأوكرانية، يتجه صُنّاع القرار في الجزائر بحزم نحو تطوير استخدام الطاقات المتجددة، عبر استغلال ثروة الشمس والرياح وحتى المياه الجارية كموارد بديلة لإنتاج “الكهرباء النظيفة”.. فإلى أي مدى يمكن أن تنجح التجربة الجزائرية في إنتاج “الطاقة الخضراء” وحتى تصديرها مستقبلا؟

لم يعد غريبا استخدام الطاقة الشمسية في مكاتب بريد جزائرية، فالنموذج الأول كان ببلدية السواقي على مستوى ولاية المدية، حيث أضحت في ظرف أسابيع كل الكهرباء المستخدمة في الخدمات البريدية هناك منتجة من الخلايا الشمسية التي تم تجهيز المكتب بها مؤخرا.

كما لم يعد خارقا للعادة استخدام الطاقة الشمسية في المستثمرات الفلاحية الواسعة، في ورقلة أو المنيعة والأغواط وتيميمون، وهي التجارب التي وقفت عليها “الشروق”.

منذ ثمانينات القرن الماضي.. كانت البداية

لكن البداية كانت في ثمانينات القرن الماضي، حيث تم استخدام ألواح الطاقة الشمسية كمعالم لتوجيه البدو الرحل وحمايتهم من التيهان في الصحراء الكبرى.

وتطورت بعدها التقنيات، يقول الخبير في الهيئة العربية للطاقة المتجددة، عمار موسي لـ”الشروق”، واستعملت في الآبار لتموين “الرحّالة” بالمياه للسقي والشرب وتم تزويدها ببطاريات للإضاءة في الليل.

ومع بداية سنوات التسعينات انطلقت بعض المشاريع المصغرة في هذا الإطار لبعض الشركات المستقلة التي شرعت في الاعتماد على الألواح الشمسية للإنارة والتدفئة وولوج مرحلة التجارب الميدانية.

أما عن انطلاق الاستراتيجية الوطنية لتحقيق الانتقال الطاقوي، فكانت سنة 2011، عندما وضعت السلطات نصب أعينها هدفا لبلوغ تغطية بالكهرباء النظيفة تصل 37 بالمائة بحلول سنة 2030، عبر إنتاج الطاقات المتجددة موزعة على الطاقة الشمسية والحرارية ومحطات “التبريد” وهي خليط بين الطاقة المنتجة من الغاز والشمس.

وخلال هذه الفترة تم تحديد الهدف الوطني لبرنامج الطاقات المتجددة وهو الوصول إلى إنتاج نحو 22  جيغاواط من الكهرباء النظيفة بحلول سنة 2030، الأمر الذي لم يتحقق نتيجة السياسات السابقة المتماطلة، أما اليوم فتطمح السلطات يقول موسي، إلى تحقيق 15 ألف ميغاواط من الكهرباء النظيفة مع حلول سنة 2030، في إطار مشروع “سولار”، وبلوغ 6 جيغاواط من الكهرباء عبر الطاقة المتجددة سنة 2030.

ويتوقع موسي نجاح هذا البرنامج، بفضل الرؤية الجدّية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

وبالعودة إلى تفاصيل المشاريع السابقة، يؤكد الخبير أن أول محطة وطنية لإنتاج الطاقة الشمسية كانت سنة 2011 وهي محطة “أبريد” تشتغل بالغاز والطاقة الشمسية بحاسي رمل بقدرة إنتاج تصل 150 ميغاواط، تلتها 3 محطات في كل من مناطق المغير، النعامة وحاسي رمل.

أما بالنسبة لطاقة الرياح، فتم تشييد أول محطّة بولاية أدرار سنة 2011 وتصل قدرتها الإنتاجية 10.2 ميغاواط لتحل بعدها المحطات الكهروضوئية.

ما هو مشروع “سولار 1000″؟

“سولار” هو مشروع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ستحتضنه الولايات الخمس من الجنوب الكبير وهي الأغواط وورقلة وتقرت والوادي وبشار، وهي مرحلة أولى ضمن مخطط إنجاز 15 ألف ميغاواط من الكهرباء النظيفة، سيمتد لاحقا إلى باقي ولايات الوطن خصوصا الجنوب الكبير.

ويعتبر الخبير الطاقوي، أحمد طرطار، في تصريح لـ”الشروق” أنه مع مجيء مشروع “سولار” 1000 ميغاواط، أبانت السلطات عن جدية في المضي نحو الطاقات البديلة، خاصة مع الكشف عن مناقصة للمشروع مطلع سنة 2022، والذي يسير اليوم نحو طريقه للتجسيد من خلال إعطاء شركات ذات باع طويل في ملف الطاقة الشمسية حق المشاركة والاستفادة من المشروع، الذي يمكن القول إنه في طور الانطلاق، وتخطى مرحلة دراسة الجدوى.

وتسعى الجزائر من خلال “سولار” لتترجم عملية الانتقال الطاقوي التي تحدث عنها رئيس الجمهورية واقعيا.

ويرمي هذا المشروع إلى إنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية وتوزيعها عبر عدة ولايات.

ولضمان نجاحه، خاصة أنه يندرج ضمن التزامات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يفترض توفير كافة الإمكانيات لتسهيل استكمال كافة مراحله، لاسيما أن دخول هذا المشروع حيز الخدمة من شأنه أن يساهم في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 6.2 بالمائة كمرحلة أولى تليها المرحلة الثانية إلى 5 بالمائة، إلى غاية الوصول إلى 30 بالمائة، وهو الهدف الذي تسعى الجزائر لتحقيقه مع بداية سنة 2030.

ويضاف إلى مشروع “سولار”، بعض الشراكات الموقعة مع الطرف الإيطالي من أجل الشروع فيما يسمى باستغلال الهيدروجين الأخضر، عبر اعتماد آلية معينة لتكسير المياه وتحويل هذه المياه إلى هيدروجين، وهو مشروع واعد يمكن أيضا تصديره إلى دول إفريقية وحتى أوروبية، حيث يمكن استغلال أنابيب الغاز لنقل الهيدروجين الأخضر.

وهنا يتحدث طرطار عن شراكات كبرى مع دول الاتحاد الأوروبي في هذا المجال لاسيما فرنسا.

ويجزم الخبير بوجود تحرّك إيجابي لتحقيق نقلة حقيقة في مجال الطاقات المتجددة وفق برنامج 2030، من خلال إنجاز مشاريع تساهم في تحقيق الانتقال الطاقوي.

استخدام التكنولوجيا والعراقيل المحلية

أما بخصوص العراقيل والمثبطات التي قد تقف كحجر عثرة في وجه بعض المشاريع التي لها علاقة بالتحول الطاقوي، يرى الخبير طرطار أن ذلك مرتبط بمدى استخدام التكنولوجيا وتطويرها بما يتماشى مع الواقع المحلي، مضيفا أنه “يمكن الحديث عن إنجاز مشاريع إنتاجية قائمة بذاتها سواء كانت طاقة رياح أو شمسية أو الهيدروجين المفيد بأقل تكلفة ووسائل ممكنة إذا توفرت التكنولوجيا”. وأردف قائلا: “رأينا كيفية إنتاج الطاقة الشمسية بصورة إيجابية في بعض المناطق، خاصة الصحراوية، والتي أعطت ثمارها ولم تكلف الدولة الكثير، ولكن نحتاج دائما للدفع بهذا النوع من المشاريع من خلال توفير التكنولوجيا ومحاربة العراقيل الإدارية والبيروقراطية وضمان الإرادة الحقيقية لاعتماد الطاقات البديلة وأيضا ضرورة الإيمان بها”.

وتحدّث الخبير عن غموض حول كيفية تمويل مشروع “سولار” وطالب المختصين بتوضيحه في أقرب الآجال.

خطة لإنعاش الطاقات المتجددة

ويثمّن المدير التقني لشركة “ألسولار” لتركيب تجهيزات الطاقة الشمسية، بن تفيف جابر، التحركات الأخيرة للسلطات الجزائرية لإنعاش استخدام الطاقات المتجددة، على غرار المسارعة في الإفراج عن دفاتر الشروط الخاصة بإنشاء محطات توليد الكهرباء وفق الطرق النظيفة، واعتماد نظرة واقعية ورؤية استراتيجية خاصة في مجال الشراكة مع الأجانب لتوطين التكنولوجيا وتشجيع التكوين المتخصص في المعاهد لتجهيز الكفاءات والإطارات المتفوقة في مجال الطاقات المتجددة.

ويثمن المتحدث في تصريح لـ”الشروق” ترقية الاستثمار في هذا المجال خاصة المؤسسات الناشئة، وإثراء المنظومة القانونية للاستثمار والاستيراد وضمان الاستقرار المؤسساتي وإحياء تخصص الطاقة المتجددة، وتشجيع المواطن لولوج هذا الميدان، وذلك من خلال تسهيل التعامل ببعض التجهيزات على غرار اعتماد التسخين بالطاقة الشمسية وتقليص استعمال الغاز لاسيما أن الاستهلاك المحلي بات يمتص أكثر من 50 بالمائة من الإنتاج الوطني.

وختاما، يظل استبدال جزء كبير من الطاقة الأحفورية التقليدية بألواح شمسية أو مولدات للرياح حلما قابلا للتنفيذ في الجزائر الغنية بالنفط والغاز خلال السنوات المقبلة، فالنجاح في هذه الخطوة ما هو إلا تكريس لـ”السيادة الاقتصادية” التي تحدث عنها رئيس الجمهورية مرارا.


اكتشاف المزيد من قناة جيل دي زاد | Jeel Dz Tv

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى