مجتمعموقع الشروق

300 حادث و7 وفيات.. حصيلة حروق الأطفال

تشكل الحروق في شهر رمضان الفضيل مشكلا حقيقيا للعائلات التي قد تنشغل في تحضير مائدة الإفطار وتغفل عن رعاية أبنائها، حيث تنقلب الأمور فجأة وتحدث الكارثة التي تلقي بتأثيراتها على العائلة والمصابين وتنغص ما تبقى من حياتهم في حال النجاة من الموت…

“الشروق” تنقلت إلى المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في معالجة الحروق للأطفال “بيار وكلودين شولي” بالعاصمة ووقفت على حالات خطيرة لأطفال ضحايا حروق مختلفة، حيث أجمع الأطباء على أن رمضان 2023 عرف حصيلة قياسية ومقلقة في الأسابيع الثلاثة الأولى، وهو ما جعلهم يدقون ناقوس الخطر لفرض مزيد من الحذر واليقظة في البيوت، خاصة لدى الفئة العمرية الصغيرة قبل سن التمدرس التي تعد من أكثر الضحايا..

أطفال في عمر الزهور كانوا كغيرهم يستعدون لارتداء ملابس العيد، غير أن القدر شاء غير ذلك في لحظة غفلة.. أطفال هامدون لم يُر منهم شيء.. ملفوفون من أعلى رأسهم إلى أخمص قدميهم.. يتألمون ويبكون من شدة الحروق الغائرة في أجسادهم النحيلة وإلى جانبهم أمهاتهم اللواتي يتمزقن لمعاناتهم.. المشاهد كانت صادمة ومؤلمة لمن يراها فكيف بمن يعيشها ويتحملها..

الأمهات بدورهن كن محطمات وهن يشاهدن فلذات أكبادهن جثثا هامدة وزادهن ألما النظرات الثاقبة والملامات الموجهة إليهن ووصفهن بالمهملات… تبكي هؤلاء النسوة ويتجرعن المرارة لأنهن لم يستطعن حماية ورعاية أبنائهن بالقدر الكافي، أو كما يحاول البعض تصويره لهن.

300 حالة و7 وفيات خلال عشرين يوما..

وفي هذا السياق كشف البروفيسور أبشيش محند أورمضان رئيس مصلحة الحروق بالمؤسسة الإستشفائية المتخصصة في معالجة الحروق للأطفال “بيار وكلودين شولي” بالعاصمة، في تصريح للشروق، أن مصلحته استقبلت في العشرين يوما الأولى من شهر رمضان 299 حالة منهم 21 في وضعية خطيرة تم إخضاعهم للاستشفاء والأخطر هذا العام هو تسجيل 7 وفيات جرّاء الحروق ومضاعفاتها على الجسم، وهو ما يستوجب مزيدا من اليقظة والحرص خاصة في أوقات الذروة، محذرا من عواقب الوضع إذا استمر الحال على هذا المنوال وهي حصيلة وصفها بالقياسية وغير المسبوقة خلال نفس الفترة من السنة الماضية.

وقال أبشيش “الحروق ليست مرضا وإنما حادث بسبب الاكتظاظ في المطبخ، والأطفال هم أكثر الضحايا في أوقات الذروة التي تكون قبيل آذان الإفطار بقليل وأحيانا قبيل السّحور في لحظة سهو وغفلة بسبب المهام الكبيرة الملقاة على عاتق المرأة”.

وتعد الفئة العمرية التي يتراوح عمرها بين 4-5 سنوات الأكثر تعرضا للحروق، حيث يدفعهم فضولهم إلى الاكتشاف وعدم التمييز.

إسعافات أولية لا بد منها…

وأوصى البروفيسور أبشيش الأولياء ببعض الإرشادات والتوجيهات عند الحرق وهي إبعاد الضحية عن مكان الحرق وتوقيف لهيب النار ونزع ملابسه إذا احترقت مع إطفاء النار ووضع مكان الحرق تحت حنفية الماء في درجة حرارة 15 درجة وعلى مسافة 15 سنتيمتر ولمدة 15 دقيقة وهذا ما يساهم في تخفيف وتبريد موضع الحرق، وبعدها وضع ضمّادة دهنية على موضع الحرق إذا كانت متوفرة وإذا لم تتوفر لديه يمكن له تعويضها بقطعة قماش نظيفة، والتوجه بعدها إلى الطبيب الأقرب الذي يقوم بتشخيص الحالة وتحديد درجة الحروق، وأفاد المتحدث أنه عندما تتجاوز المساحة المصابة بالحروق 10 بالمائة من مساحة الجسم فهذا يعني أن الطفل في خطر..

خلطات شعبية ومضاعفات قاتلة.. احذروها

يتمثل المشكل الأساسي للحروق حسب محدثنا في المضاعفات الخطيرة التي تلي الحادث وتتمثل في جفاف الجسم وفقدانه كميات كبيرة من المياه.. مع إصابة المعدة وحدوث نزيف دموي قد يقتل الضحية، “كما قد يصاب الضحية بقصور كلوي وتمزق القولون، لذا فإن الاستعجال ليس الضمادة وإنما هو تعويض المياه الضائعة من الجسم”..

وحذر البروفيسور أبشيش من استعمال بعض الخلطات الشعبية مثل الطماطم والقهوة ومعجون الأسنان التي تتسبب في تعقيد الأمر، وتضييع الوقت لوضع التشخيص الذي قد يكون خاطئا ويسبب معاناة زائدة، كما نبه أيضا لخطورة بعض التداوي بالأعشاب، مشيرا إلى استقبال نحو 20 حالة معقدة بلغت وضعا كارثيا لأشخاص يموتون جراء التكفل بالحروق ويتناسون جوانب أخرى أكثر خطورة وتعقيدا..

تضميد الحروق من دون حقنة الإنعاش يسبب الوفاة

وتعد حقنة الإنعاش أساسية في التكفل بالمريض كأول تدخل طبي، حيث تعمل على تعويض الجسم بالعناصر التي يفقدها وتبقي على الجرح في نفس مستواه وتجنبه القصور الكلوي وتمزق القولون والنزيف الدموي..

وألحّ المختص على تقديم حقنة الإنعاش لضحايا الحروق في المؤسسات الصحية الأولى التي يذهبون إليها على مستوى مصالح الاستعجالات وهي إجراء طبي معروف لدى جميع الأطباء العامين من اجل إنقاذ حياة المصاب، غير أنه تأسف لما يقوم به البعض، حيث يكتفون بتضميد الحروق وتحويل المريض نحو العيادة في العاصمة وأثناء تلك الفترة قد يموت الشخص، فالاستعجال، كما قال، ليس التضميد والتحويل للعاصمة وإنما حقنة الإنعاش…

وأردف “الإنعاش الذي نقوم به في العيادة هو نفسه الممكن القيام بها على مستوى وحدات علاجية ولائية، فنقل الحالة على وجه الاستعجال في غياب حقنة الإنعاش يتسبب في الوفاة…”.

غفلة لحظة تجرّ مأساة مدى الحياة…

أوضح البروفيسور أبشيش أنّ غفلة لحظات معدودة تكلف العائلة غاليا وتقلب حياتهم وحياة المصاب عندما تكون الحروق من الدرجة العميقة، فالحروق السطحية تشفى في 15-20 يوما بينما الحروق العميقة تستمر تأثيراتها سنوات عديدة وقد تحدث إعاقات وعاهات…

ويتطلب التكفل بضحايا الحروق مدة طويلة جدا، فبعد أربعة أسابيع يتم إجراء عمليات زرع الجلد لمعالجة التشوهات التي تؤثر على الشخص طوال حياته فهناك عمليات تجرى كل 6 أشهر..

وقال أبشيش “التكفل ثقيل جدا ويدوم سنوات طويلة، فإذا نجا المحترق من الموت في الأيام الأولى ينتقل إلى مرحلة أخرى خطرة وتواجهه مشاكل التعفن والعدوى البكتيرية، فقد يموت الشخص بالالتهاب الجرثومي في غياب طبقة الجلد التي تحميه حتى وإن تم القيام بكافة الإجراءات والإسعافات الأولية وحقنة الإنعاش، فالتعفن يظهر من أسبوع إلى 10 أيام وبعد تجاوز هذه المرحلة الخطرة يدخل المعني في مرحلة زرع الجلد التي تكون بعد الاسبوع الرابع”.

ويكون الزرع من نفس الشخص ومن مناطق مختلفة في الجسم وأحيانا يكون من الوالدين لمرحلة انتقالية مؤقتة لا تتعدى الأسبوعين.

هذه أكثر مسببات الحروق

وتكون الحروق حسب المختص ابشيش، بسبب الحرارة إما بالتعرض لمواد سائلة أو صلبة أو لهيب، غير أنّ 97 بالمائة من الحوادث تسجل بسبب الحرارة والسوائل الساخنة “زيت وماء وشوربة وقهوة” يليها الأسطح الصلبة الساخنة وبعدها الغاز من خلال الطابونة، كما تسجل بعض الحوادث الأخرى جراء الحروق الكهربائية التي يمتد التيار الكهربائي فيها إلى داخل الجسم ويتلف العروق وبالتالي يتم بتر الأعضاء المصابة ومنها حالة أخيرة اضطرت الفرق الطبية إلى قطع ذراع أحد الأطفال وفي بعض الحالات يصاب القلب وتتسبب الحروق في الوفاة الآنية.

وإلى جانب ذلك هنالك الحروق الكيميائية لبعض المنتجات التي تكون درجة حموضتها مرتفعة والتي يؤدي تفاعلها مع الجسم إلى كوارث، كما قد تتسبب الأشعة في حروق هي الأخرى…

الحروق تخلف مشاكل نفسية واجتماعية خطيرة

من جانبها أكّدت مسلم فضيلة، مختصة نفسية عيادية أساسية بالمؤسسة الإستشفائية المتخصصة في معالجة الحروق للأطفال “بيار وكلودين شولي” بالعاصمة أنّ المرضى يصلون في حالة صدمة، حيث يعمل المختصون النفسانيون على كيفية تقبل المريض والعائلة للوضع ويبدأ التعامل مع الطفل الصغير مع الأم بالأخص التي تكون همزة وصل بين الطفل والمختص النفسي بالنسبة لمن هم دون الخامسة.

وعادة يترتب عن الحروق، حسب محدثتنا، سلوكيات نفسية خطيرة مثل الرهاب أو الخوف الشديد من الأشياء وكذا اضطرابات النوم وذلك في الأسابيع الأولى التي تشكل ذروة الأزمة في حدود 20 يوما تقريبا فهم بين مطرقة تقبل الحادث وسندان العلاجات.

ويسير الجانب النفسي بنفس مستوى الجانب الصحي الجسمي وكلما كان تطور الوضع الصحي الجسدي عاليا كلما كان تحسن الجانب النفسي..

وقالت مسلم فضيلة “عندما تكون الحروق سطحية يكون التكفل سهلا وعندما تكون عميقة تصعب الأمور والمعاناة تكون أكثر عند بلوغ مرحلة الزرع، إذ تبرز معاناة تقبل الشكل”.

وتتحمل الأم مشاكل كبيرة.. مشكل الحرق والتكفل بطفلها ورعاية أولادها ويحملها الزوج في غالب الحالات وكذا محيط العائلة مسؤولية الإهمال..

وكشفت المختصة عن تسجيل حالات وصلت إلى الطلاق وأخرى يتخلى عنها زوجها، خاصة إذا بلغت مرحلة الزرع وقد تكون الحروق بابا لمشاكل عائلية أخرى بين الأم وأهل الزوج، فالمرأة تتحمل مشكل البعد عن أسرتها وأولادها وتتجرع مرارة ومعاناة مرض ابنها وتصبح في مواجهة مشكل صحي ونفسي واجتماعي..


اكتشاف المزيد من قناة جيل دي زاد | Jeel Dz Tv

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى