موضوع

مدينة الألف قبة وقبة..مستقبل الزراعة الجزائرية.. “وادي سوف”

تقع مدينة وادي سوف في الجزء الجنوبي الشرقي من الجزائر، وفي منتصف الصحراء الكبرى، وهي عاصمة ولاية الوادي ويمثل وادي سوف جزءا من الصحراء الشماليّة الشرقيّة، وتنتمي إلى منطقة العرق الشرقي الكبير، تبعد عن عاصمة الجزائر حوالي 630 كلم ويحدها من الشرق الجمهورية التونسية، ومن الغرب كل من ولايتي المغير وتقرت، ومن الشمال ولايات تبسة وخنشلة وبسكرة، ومن الجنوب ولاية ورقلة.

يطلق عليها اسم مدينة ألف قبة وقبة، ومدينة الشعر والشعراء .. كسبت باقتدار خلال السنوات الأخيرة لقب عاصمة الثورة الخضراء. هي مدينة وادي سوف، القلب النابض لولاية الوادي بالجنوب الشرقي للجزائر

فتتحدث المصادر التاريخية على أصل تسمية «وادي» إلى النهر الذي كان يجري قديما في شمال شرق سوف، وهو نهر صحراوي قديم اختفت مياهه تاركة مكانها إلى الرمال غطي مجراه الآن بالرمال.

أما بخصوص كلمة «سوف» فيربط باحثون بين التسمية وقبيلة «مسوفة» التارقية البربرية، ويروي العلامة ابن خلدون أن القبيلة التارقية مرت بهذه الأرض «وفعلت فيها شيئا، فسميت بها».

أما لقب مدينة ألف قبة وقبة، فهو بسبب الطابع العمراني للمدنية، فما يشد انتباه زائر المدينة لأول مرة، هو كثرة القباب فيها، حيث تعتلي تقريبا كل سقف مساكن المدينة ومحلاتها وأسواقها ومساجدها، ما جعلها تكتسي طابعا عمرانيا فريدا من نوعه يميزها عن باقي مدن الجزائر.

وانتشرت القباب بشكل واسع بالوادي خاصة في منتصف القرن التاسع عشر، ولهذا النوع من القباب مزايا مقصودة من طرف أهل المدينة فرضته عليهم طبيعة المنطقة الصحراوية، وذلك لأن شكل القبة يساعد على تبعثر أشعة الشمس الحارقة، وتخفيف حدتها وعلى منع تراكم ما تأتي به الرياح من تراب فوقها ما يمنع تراكمها وتهديد سلامة البنايات.

كما أن تجويف القبة من الداخل يوفر مزيدا من الهواء ويُلطف درجة الحرارة فيها. ومعروفة مدينة وادي سوف بارتفاع درجة حرارتها الكبيرة خلال فصل الصيف وبجو بارد خلال فصل الشتاء.

وتقول مصادر تاريخية أن الكاتبة والمستكشفة السويسرية ايزابيل ايبرهاردت هي أول من أطلقت عليها اسم «ألف قبة وقبة» هذا بعد ان عاشت بالمدينة مدة من الزمن، وفتنت بطبيعتها وكرم وطيبة سكانها. وإيزابيل ايبرهاردت ولدت بجنيف سنة 1877 وأرسلتها جريدتها للكتابة عن ظروف حياة الجزائريين في ظل الاستعمار، واعتنقت الدين الإسلامي. وتوفيت في فيضان طوفاني بمدينة عين الصفراء الصحراوية بجنوب غرب الجزائر.

وكتبت عن حياتها بالمنطقة في عدة كتب على غرار «نقاط الطرق» و»اليوميات» و»قصص جزائرية» و»في بلاد الرمال».

إذا كانت مدينة سوف قد ألهمت الكتاب الأجانب لسحرها، فإنها أنجبت أيضا العديد من الشعراء والكتاب الجزائريين الذين أثروا مكتباتها بأعمال أدبية راقية، ولكثرة الشعراء المنحدرين من مدينة وادي سوف أطلق عليها لقب مدينة الشعر والشعراء.

ويعتبر الشعر لسان أهالي وادي سوف الذين نظموه وأبدعوا في قصائدهم في وصف حياة وسكان المنطقة بجمالها وآمالها وألمها، بكلمات عبرت عن واقع البلاد، وأهدت المدينة للجزائر خلال الحقبة الاستعمارية الشاعر الفذ محمد العيد آل خليفة، الذي يعتبر أحد شعراء الثورة الملهمين والذي تزين أحد قصائده الشعرية قبة «الجندي المجهول» التي بني عليها صرح مقام الشهيد الشهير بالجزائر العاصمة.

كما أن الشاعر والمؤرخ الشهير الراحل أبو القاسم سعد الله من أبناء منطقة الوادي والذي يلقب بشيخ المؤرخين الجزائريين، إلا أن عمله في التاريخ لم يمنعه في نظم القصائد الشعرية.

أما اللقب الجديد الذي أصبح يزاحم الألقاب السابقة بل غطى عليها، بعدما أصبحت سلة غذاء الجزائريين ومفخرتهم، وكسرت إلى غير رجعة مقولة ان الصحراء قاحلة ولا ينتج أهلها ما يأكلون ما عدا التمور التي تمون أسواق الشمال وتوجه نحو التصدير، ويوجد بها أكثر من 4 ملايين نخلة من أصل20  مليون نخلة تعدها الجزائر.

ويميز واحات النخيل بالوادي إنتاج أفضل أنواع تمور ”دقلة نور” والذي ينتج بالغوط (منخفض أرضي) وهو النمط الزراعي الفريد من نوعه الخاص بالمنطقة، والغوط عبارة عن منخفض سحيق بين الكثبان الرملية بعمق 40 مترا وقطر يصل من 80 إلى 200 متر يحفره الفلاحون لغراسة النخيل، حيث استغل أهل سوف هذه المنخفضات لغراسة النخيل نظرا لقربها من المياه الجوفية فتصبح النخلة تمتص الماء من الطبقة الجوفية من دون أن يسقيها الفلاح.

«السوافة» حولوا المنطقة الجرداء القاحلة التي تعيش على ما تنتجه مدن الشمال من أغلال، إلى أرض زراعية بامتياز وأصبحت الخضرة تكسر مساحات لا بأس بها من الرمال الموحشة.

وأنت تمر فوق سماء وادي سوف سيلفت انتباهك، أشكال هندسية دائرية كبيرة خضراء في قلب صحراء الوادي غاية في التناسق، رسمت ألواحا فنية تسر الناظرين.

الأشكال الدائرية أنتجت مختلف أنواع الخضروات والفواكه والبقول، وأصبحت بطاطس وادي وسوف الآن المفضلة على موائد الجزائريين، واستطاعت لجودتها أن تتخطى الحدود الإقليمية لتصدر إلى الخارج، وتنافس البطاطس الأمريكية في أسواق ومحلات العديد من البلدان، مثل قطر واسبانيا، في وقت كان توفير هذه المادة يشكل عبئا على الحكومة ودفعت مقابله ملايين من الدولارات على مدار سنوات.

الفلاح السوفي استطاع أن يروض الصحراء القاحلة الموحشة التي تصل بها درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، إلى أراض صالحة للفلاحة تقدم ما لذ وطاب من البطيخ والعنب والفراولة والفول السوداني، هذا الفلاح «المعجزة» استطاع أن ينتج الموز في طبيعة جافة، مع أن هذا النوع من المحاصيل لا ينمو إلا في المناطق الرطبة ويتطلب الكثير من المياه من أجل سقيها، وأكثر من ذلك استطاع أن ينتج القمح مرتين في السنة. هذا التميز جعل من محافظة الوادي محافظة فلاحية بامتياز بعد ان تسلح أبناؤها بإرادة من حديد.

وساهمت الثورة الخضراء في منطقة وادي سوف في خلق مناصب الشغل، وتشير أرقام حكومية إلى أن الحركية الزراعية هناك وفرت أكثر من150 ألف شغل دائم ومؤقت، كما حققت عائدات14  شعبة فلاحية، على مساحة120 ألف هكتار، تقدر بحوالي255 مليار دينار أي حوالي1.4 مليار دولار.

وتسعى السلطات الجزائرية إلى تعميم التجربة الفلاحية بمنطقة وادي سوف الناجحة على باقي المحافظات الصحراوية، بتقديم تسهيلات للفلاحين الذين يريدون أن يخوضوا التجربة الفلاحية الصحراوية، لتصبح مستقبلا الصحراء سلة غذاء الجزائريين بعدما كانت أراضي الشمال من تضطلع  بهذ المهمة، خاصة وأن مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية تأثرت بالتوسع العمراني مثل سهل متيجة الخصب بالقرب من العاصمة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى