موضوع

حمّام المسخوطين في الجزائر.. قصّة الزواج الآثم والغضب الذي أهلك أهل القرية

  بخار كثيف ينبعث فوق ينابيع المياه الساخنة. يمتدّ ببطء فيبدو كحارس لسرّ المكان، ثم يتبدّد كما لو أنه يوشك على جلاء الحقيقة، فإذ به يتشكّل من جديد.

تجذب أسطورة حمّام المسخوطين شمال شرقي الجزائر الناس من كل حدب وصوب. الاسم لا يخيف. يثير الاهتمام، والفضول، لكنه لا ينفّر. والمكان هيّأ بدوره لنسج الخرافة حوله، بين خيال وواقع، مانحًا الرواية عناصر مكتملة على الأرض كما في التاريخ المزعوم.

ذات يوم من ثمانينيات القرن الماضي اجتمع مثقفو مدينة حمّام المسخوطين. تباحثوا بشأن اسم منطقتهم والرواية المرتبطة بها. بعضهم كان قد أصابه الحرج، وآخرون ذهبوا إلى منح التسمية تأويلات أخرى، فكان الاتفاق على اعتماد اسم جديد للحمّام، ألا وهو حمّام دباغ.

والجديد ظل جديدًا لدى عدد كبير من الأهالي ممّن حافظوا على اسم “حمّام المسخوطين” باعتباره جزءًا من موروثهم الشعبي الذي يواظبون على تناقله عبر الأجيال، ولدى السيّاح الذين ينشدّون إلى الأساطير وإن رفضتها عقولهم

أسطورة حمام المسخوطين

وفق الرواية الشعبية في الجزائر، فإن ملكًا كانت له ممتلكات شاسعة وأراضٍ واسعة في المنطقة التي عرفت لاحقًا باسم حمّام المسخوطين. كما كان له من ذريته ابن وابنة.

عندما بلغ نجله سن الزواج، قال له: اذهب وابحث عن زوجة لك في المناطق المجاورة. فلم يجد الابن عروسًا أجمل من شقيقته.

هكذا قرّر الشاب الزواج من أخته، وبينما رفض أفراد القبيلة الخطوة كونها مخالفة للأعراف، هجر معظمهم المكان وبقي آخرون.

في يوم عقد القران، وعندما اجتمع من بقي في القرية للاحتفال بالزواج حلّ غضب الله وسخطه على الحاضرين، فعاقبهم بأن حولهم إلى حجارة متكلسة

أما القدر الذي كان يُحضّر فيه الطعام لإعداد الوليمة فانقلب بدوره، وتسرّب منه اللحم والدهن وشكل ما بات يُعرف اليوم بالشلال.

المسك والطين والحمّامات الملعونة

    رواية أخرى متعلقة بالمكان، تنفي عنه تسمية المسخوطين وتؤكد أنها “المسكوتين” مقدمة الشرح اللازم.

وفي هذا الصدد، يقول جار الحمّام العربي بن سعد، إن التسمية تعود إلى شراء المسك من فرنسا ليتم وضعه في خليط يُداوى به من يعانون من مرض الروماتيزم.

جار آخر للحمام، هو الطبيب أحمد بلعيطر، يشير بدوره إلى أن سكان المنطقة يرجعون التسمية منذ 15 عامًا إلى استعمال الانسان قديمًا المسك أثناء استحمامه، لكنه يسأل: “أين يتواجد المسك في حمام المسخوطين؟”. 

ويضيف: “لم يثبت أن وُجد المسك هنا تمامًا“. 

بدوره، إبراهيم غمري وهو إعلامي من المنطقة، يتحدث عن ظهور تسميات شعبية تربط بين المسك والطين، سائلًا: أين هذا المسك وأين هذا الطين؟ 

وبين المسخوطين والمسكوتين، يشير الباحث في تاريخ المنطقة عبد الغاني بوصنوبرة، إلى أن كتابات الرحّالة الأوروبيين الذين زاروا المنطقة خلال العهد العثماني، تبيّن أنهم ترجموا جميعهم الاسم إلى لغاتهم؛ وأسموه حمام المسخوطين أو Les bains enchantés أي الحمامات الملعونة

ويردف أنهم لم يذكروا في الواقع أن للتسمية علاقة بالمسك والطين، أو المسك والتين.

سياح فرنسيون في حمام المسخوطين عام 1922 (غيتي)

أسماء مختلفة لمكان واحد

ويقول الباحث إن تسميات أخرى أشارت أيضًا إلى المكان، اعتمدها بعض الناس مع انتشار الحرج من الاسم القديم، من بينها “حمام المرحومين”: أي الذين رحمهم ويرحمهم الله وليس يسخط عليهم.

كما يلفت إلى أن المثقفين من أبناء المنطقة اجتمعوا لاستبدال الاسم بآخر، وأمام خيارَي حمّام الشلال وحمام الدباغ، اتفقوا على الأخير.

غير أن المصور الفوتوغرافي نورالدين بومالي يذهب إلى التأكيد أن التسمية القديمة ترسّخت في أذهان الأجيال السابقة ومن خلَفها حفاظًا عليها، باعتبارها الاسم الحقيقي لهذه المنطقة

ماذا يقول العلم؟

يوضح بوصنوبرة أن المنطقة شبه بركانية، ونتيجة لعوامل جيولوجية خرج ما وُجد في باطن الأرض إلى السطح وتكلّس. ومن خلال تلك الشقوق يخرج الماء الساخن.

ويلفت مدير “حمام دباغ” السياحي كمال سعادة إلى أن الشلال تكون من الترسّبات المعدنية مثل الكالسيوم والمغنيزيوم والكبريت وغيرها. ومعه تكوّنت الصخور ذات الشكل المخروطي.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى