موضوع

“جيجل” بابا عروج .. بوابة الدولة الجزائرية الحديثة

الزائر لمدينة جيجل لابد له أن يمر بوسط المدينة ليأخذ صورا تذكارية مع السّفينة الرّمزية سفينة بابا عروج، الشّاهدة إلى الآن على التاريخ الخالد لمرور بابا عروج عليها فاتحا منذ أكثر من 500 سنة، وهي التي كانت تعاني تحت وطأة الاحتلال الإيطالي والمبشرين.

في تلك الأجواء المشحونة من الحروب العظيمة ضدّ الجيوش الصّليبية والتي كانت حروبا مقدّسة برعاية الكنيسة الكاثوليكية ضدّ المسلمين خلال العصور الوسطى، ظهر الأخوان بابا عروج وخير الدّين بربروس، واستطاعَا تجميع القوات الإسلامية في الجزائر، وتوجيهها نحو الهدف المشترك لصدِّ أعداء الإسلام عن التوسّع في شّمال إفريقيا، وخاصّة في الموانئ والمدن الجزائرية.

اعتمدَا في جهادهما أسلوب الكرّ والفرّ في البحر بسبب عدم قدرتهما على الدّخول في حرب نظامية ضدّ القوات المسيحية من الإسبان والبرتغاليين وفرسان القدّيس يوحنا، وقد حقّق هؤلاء المجاهدون نجاحات كثيرة، ثم رأوا أن يدخلوا تحت سيادة الخلافة العثمانية، لتوحيد جهود المسلمين ضدّ هؤلاء النّصارى الحاقدين.

حاول المؤرّخون الأوربيون التشكيك في طبيعة هذا الجهاد البحري في المتوسط فوصفوه بـ”القرصنة”، كما شكّكوا في أصل أهمّ قادته وهما الأخوان: عروج وخير الدين، وأثرهما في مواجهة الدّور الصّليبي في البحر المتوسط في زمن السّلطان سليم الأول وابنه   السّلطان سليمان القانوني.

وفي سنة 1512م استنجد علماء وأعيان بجاية بالأخوين عروج وخير الدّين لتحريرها من الإسبان فلَبّيَا الدعوة، وخلال معركة التحرير بُتِرت ذراعُ بابا عروج فتراجعَا إلى تونس.

وفي سنة 1514م حاولا تحرير مدينة جيجل من الاحتلال الإيطالي، وكان لهما ذلك، فاتخذَا ميناءها قاعدةَ انطلاقهما في حملاتهما ضدّ المحتلّين الصّليبيين، بعد طرد الاحتلال الجَنَوي الإيطالي منها، وهي التي تعرّضت للاحتلال الإيطالي منذ سنة 1260م، فأسروا نحو 600 من المحتلين الإيطاليين، واستولوا على غنائم كثيرة، وتمّ توزيعها دون تمييز بين الفاتحين والسكّان الأصليين من أهل بجيجل، واجتمع حولهما حوالي 20 ألف قبائليّ مع مرابطيهم، ويذكر الشيخ المؤرخ عبد الرحمان الجيلالي (3/37) أنّ فتح مدينة جيجل تمّ بمساعدة الشيخ أحمد بن القاضي، وكان زعيما للقبائل البربرية في جبل كوكو.

ويقول الشيخ أحمد توفيق المدني في كتابه (حروب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، ص 168): “كان لبهم من قبائل كالمسلمون في جهة جيجل والجبال المحيطة بها، وأغتامة قد التفُّوا حول عروج ورأوا من إيمانه ومن أخلاقه ومن قوّة شخصيته ما جعلهم يبايعونه أميرا، ويعاهدونه على السّير وراءه إلى ميادين الجهاد من أجل إنقاذ المدن الإسلامية”.

وقد أرسل الأخوان إلى السّلطان سليم الأول مجموعة من النّفائس والغنائم التي استوليَا عليها بعد فتح مدينة جيجل من الجنَويين، فقبلها السلطان وردّ عليهما بإرسال 14 سفينة حربية مجهّزة بالعتاد والجنود، وكان هذا الرّد من السّلطان العثماني بمثابة الاعتراف بهما، وتأكيد العلاقة الرّسمية مع الخلافة العثمانية.

دفع تحريرُ مدينة جيجل بالمتحمّسين إلى الضّغط من أجل تحرير كامل السّواحل الجزائرية من المسيحيين الأجانب، واستنجد علماءُ وأعيانُ بجاية بالأخوين عروج وخير الدّين -مرّة أخرى- لتحريرها من الإسبان فلَبّيَا الدعوة، وتمكّنَا من تحريرها سنة 1516م.

كلّ ذلك شجّعهما على الاتجاه بعدها نحو مدينة الجزائر سنة 1516م بطلب من شيوخها وأعيانها الذين استاؤوا من حاكمها سالم التّومي الذي تحالف مع الإسبان ومكّنهم من احتلالها، فهزم عروجُ الإسبان وقتل حاكمها التومي ونُصِّب سلطانا عليها، مؤسِّسا بذلك لإيالة الجزائر، وترسيم العلاقة بالخلافة العثمانية.

وفي سنة 1517م اتجهَا غربا لتحرير وهران من الاحتلال الإسباني، بعد أن تلاشت مملكة الزّيانيين تحت ضربات الإسبان، ثم اتجهَا نحو تلمسان بطلب من مشايخها وأعيانها، بعد أن عقد السّلطان الزّياني معاهدةَ التبعية مع المحتلّين الإسبان، فطلب عروج منه نقض المعاهدة فرفض، فاستفتى العلماءَ فأفتوه بوجوب إعدامه فأعدَمه.

وفي سنة 1518م جاء ملك إسبانيا شارل الخامس – وكلّ أوروبا معه- بجيش كبير، ونزلوا بوهران وتحالفوا مع بعض الزّيانيين، وحاصروا بابا عروج بقلعة تلمسان الدّاخلية لمدة 06 أشهر، إلى أن استُشهد بمنطقة المالح بالقرب من عين تيموشنت، ولم يتجاوز عمره 44 سنة، وقُطعت رأسُه وأُخِذت إلى إسبانيا، كما أخذوا ثيابه التي كانت من القطيفة الحمراء المزركشة بالذهب، وسلّموها إلى كنيسة القديس جيروم بقرطبة، فصنع منها رجال الدّين هناك شعارا يسمّى: شارة بربروس.

هزّت كارثة تلمسان بقوّة ضمائر الجزائريين، واجتمع فيها من الشيوخ والزّعماء لمناقشة الموقف، وقرّروا أن يُسنِدوا إلى خير الدّين واجب إمارة الجهاد بعد أخيه بابا عروج فوافق، على أن يتمّ ربط الجزائر بالدولة العثمانية، وتمّ له ذلك سنة 1518م، وعُيِّن حاكما، ولُقِّب: (باي البايات)، وأدخلها ضمن حكم الخلافة العثمانية التي كانت القوّة الإسلامية العالمية الوحيدة في ذلك الوقت، بعد سيطرتها على الحرمين ومصر والشام واليمن بين سنتي 1516 و1517م، وبذلك توحّدت الجزائر سياسيّا، وأصبحت كيانا موحّدا، وأصبحت تُعرف بهذا الاسم، ولم يعد مُقتصرا على مدينة الجزائر فقط، بل شمل هذا الكيان السياسي الحدود الجغرافية للجزائر المتعارف عليها إلى الآن.

وبذلك تكون مدينة جيجل بوابة لإعادة بعث الدولة الجزائرية الحديثة عبر الفتح العثماني لها، وطرد الاحتلال الصّليبي المسيحي الإيطالي والإسباني منها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى