موضوع

حصن “دوكان”بجيجل من جامع “سيدي عمار” إلى جدار دفاعي عسكري

بعد دخولهم إلى مدينة جيجل منذ قرون من الزمن، قام الفرنسيون بعدة خطط دفاعية لمواجهة شراسة الأهالي وسكان المدينة الذين قاوموهم بشدة، من بينها تشييد الحصون، من أهمها حصن دوكان الذي لا يزال شاهداً على هذه الفترة التاريخية الهامة التي مرت بها المدينة، وهو الحصن الذي بني على أنقاض جامع سيدي عمار قديماً، وهو ما رشحه ليكون كتاباً مفتوحا ًعلى الماضي، بصفته شاهداً على العديد من الفترات التاريخية التي مرت بها جيجل.

يقع حصن “دوكان” أو حصن “دوكاسن” بمدينة جيجل، حيث يحدَّه شرقاً ميناء بوالديس للصيد البحري بشاطئ كتامة، وغرباً الواجهة البحرية، ومن الجنوب وسط المدينة، ويطل من الشمال على البحر الأبيض المتوسط، وهو في شكل قلعة صغيرة محاطة بسور، وتابع للقوات البحرية حالياً. وقد عرف في العصر القديم بكونه حصناً رومانياً يحدَّه من الشرق الميناء الطبيعي الذي يمتد على طول الشاطئ، الذي ينطلق غرباً من القلعة (المدينة القديمة)، وكان يمثل آنذاك أحد الأسوار الحامية للمدينة و ضواحيها، وهو ما يثبت صدق ما أشار إليه المؤرخون من وجود بوابة للخروج من المدينة الرومانية بنفس الموقع، وكان يطلق عليها تسمية باب قسنطينة.

الحصن بني على أنقاض مسجد  سيدي عمار الأندلسي

أشار الباحثون في تاريخ الولاية والمهتمون به، على غرار الأستاذ محمد بونار أن حصن دوكان أو حصن دوكاسن بغض النظر عن وظيفته العسكرية، معلم له بعد ديني وثقافي أيضاً، حيث كان موجوداً حتى قبل الحملات الفرنسية على مدينة جيجل، ونادراً ما نجد معلماً ينبئك بأكثر من فترة تاريخية على غرار هذا الحصن، الذي يروي تاريخ المدينة بداية من العهد الروماني كما تذكره الكتابات التاريخية، وإن كان البعض يرجع هذه البداية إلى الفترة الفينيقية، ثم الفتح الإسلامي، فـالتركي، و أخيراً الحقبة الاستعمارية.ويقول الأستاذ قريقة محمد مختص في علم الآثار و الإرشاد السياحي، أن هذا الحصن بني على أنقاض مسجد سيدي عمار الأندلسي، الذي قدم من الأندلس بعد فرار المسلمين منها جراء سقوط غرناطة، حيث جاء إلى مدينة جيجل واستقر فيها وفي ذلك المكان تحديداً، وكان إنساناً تقياً وبمثابة ولي صالح في نظر السكان المحليين، الذين قاموا ببناء قبة له هناك بعد وفاته كانت تشبه المسجد وكانوا يزورونه. ويقول البعض الآخر مثلماً يشير إليه الأستاذ بونار محمد أن الكتابات الفرنسية الواصفة لهذا الموقع تشير إلى وجود قبر أو معلم ديني يثبت حقيقة أصل التسمية التي أطلقها الجيجليون على الموقع (مسجد سيدي عمار)، و هذا ما لا يدع مجالاً للشك أن سيدي عمار كان رجل دين، تعلق به الجيجليون إلى درجة تخليد اسمه و تكثيف زيارات التبرك بقبره و معبده بعد وفاته، غير أن كل هذا لم يمكّن المؤرخين من التعرف على أصوله و نسبه وفترة حياته، فيما أثبتت بعض الصور القديمة للحصن في القرن السابع عشر فرضية رجل الدين المقدس، والتي تظهر بنايتان داخله، إحداهما ذات شكل عادي وبسقف قرميدي قد تكون مسجداً، وأخرى تعلوها قبة من النمط المنتشر في المدن الساحلية لشمال أفريقيا.

القوات الفرنسية تحول الموقع إلى جدار دفاعي أثناء حملتها على المدينة سنة (1664) ثم تدمره أثناء فرارها

يقال أن تاريخ تشييد (إعادة بناء) حصن دوكان يعود إلى سنة (1839)، حيث كان موقعه مسرحاً لإنزال قوات الاحتلال الفرنسي بمدنية جيجل يوم (13) ماي (1838)، والتي قوبلت بمقاومة شرسة من طرف سكان المدينة، غير أن هذا الحصن كان أول محطة لإنزال القوات الفرنسية بالمنطقة أثناء حملة الدوق دي بوفور على مدينة جيجل في (22) جويلية (1664)، قصد احتلاها لتكون قاعدة أساسية لاحتلال بقية المدن الساحلية الجزائرية، حيث وصلت القوات الفرنسية إلى السواحل الجيجلية في هذا التاريخ، وتموقعت أغلبية الأفواج بعد احتلالها للمدينة في أعالي جبل القرن (مقبرة المدينة حالياً) التي تطل على المدينة القديمة، بينما استقر الفوج الذي قاده النقيب دي فيفون (De Vivonne)، قائد سفينة (La Royal) ومعه (251) جندياً بالقرب من قبة سيدي عمار شرق القلعة، حيث قام بتنحية الإمام، واستعمل الزاوية كمخزن لكتائب الحراسة، وهو ما أشعل فتيل غضب المسلمين و أيقظ فيهم الحس الديني و الغيرة على الوطن، وما زاد الطين بله استعمال العدو لحجارة المقبرة الإسلامية في بناء حصن بـجبل القرن كتعد صريح على مقدساتهم، وبعد ثلاثة أشهر من الحرب الشرسة، تأجَّل انسحاب القوات الفرنسية إلى أول نوفمبر (1664) م بعد خلاف بين القادة الفرنسيين الذين انقسموا إلى معسكرين، وكان مقرراً إبحار المعسكر المتشكل من فوج بيكاردي (Picardie) و فوج الحراسة من حصن سيدي عمار، وكانت النهاية مأساوية لجنود هذين الفوجين الذين تلقوا طلقات مدفعية القوات التركية أدت إلى وفاة الكثير منهم، و فرار البعض بعدما قاموا بتفجير القبة التي احترقت عن آخرها معلنة نهاية حقبة من تاريخ المدينة.

سنة (1839) الفرنسيون يعيدون بناء الحصن ويحوُّلونه لمركز تعذيب واعتقالات

عاد الفرنسيون إلى الموقع الذي شهد هزيمتهم النكراء بعد قرنين من حملة الاحتلال الأول للمدينة، ولم يكن آنذاك بحصن سيدي عمار سوى آثار لمطحنة رومانية وقبرين، أحدهما لرجل مسلم و آخر لمسيحي، حيث تم تعلية أسوار الحصن القديم وانتهت الأشغال به بتاريخ (15) ماي (1839) م، و تم تدعيمها بقطعة مدفعية، ثم أطلقت عليه بعد ذلك تسمية حصن دوكانس (Fort Duquesne) تخليداً للأميرال دوكانس، قائد سفينة سان لويس أثناء حملة الدوق دي بوفور على جيجل سنة (1664)، كما استُعمل الحصن خلال حرب التحرير كمركز للاعتقالات والتعذيب من طرف قوات الاحتلال، وقد لازمت الوظيفة الدفاعية والعسكرية هذا الحصن طيلة الوجود الفرنسي بالمنطقة، إلى جانب مجموعة من الحصون الأخرى التي تم بناؤها لتكون مكملة له، على غرار حصن أوران الذي مازالت أثاره موجودة إلى يومنا هذا بمنطقة الوزير وسط مدينة جيجل حاليا، مثلما يؤكده الأستاذ قريقة محمد مشيراً أن القوات الفرنسية قامت ببنائه للسيطرة علىً مصدر المياه، حيث كان هناك نبع مياه صافٍ وعذب بتلك المنطقة يموّن المدينة التاريخية بالمياه الصالحة للشرب، وبالتالي مراقبة تحركات القبائل التي تأتي لاقتناء المياه. وبالعودة إلى حصن دوكان، فقد حرم السكان من الدخول و زيارة قبر سيدي عمار إلى غاية استقلال الجزائر، ثم استمرت الزيارات بعد ذلك لفترة قصيرة، و تراجعت تدريجياً إلى غاية انقطاعها، وغلق الحصن في وجه الزوار.

بعد طرد القوات الفرنسية وحصول الجزائر على الاستقلال، بقي حصن دوكان مهملاً، قبل أن يتم ضمّه إلى أملاك القوات العسكرية والبحرية تحديداً، نظراً لموقعه الاستراتيجي والهام، لتبقى الصبغة العسكرية تلازم هذا المعلم الذي كان ولا يزال شاهداً من الشواهد على فترات هامة ومتتالية مرت بها منطقة جيجل.

زر الذهاب إلى الأعلى