موضوع

السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين .. أول من دخل الإسلام

السيدة خديجة بنت خويلد زوجة الرسول صلّى الله عليه وسلم، وأول من دخل في الإسلام من النساء والرجال، وكانت رضي الله عنها قانتة، وعرفت بطهارتها وعفتها حتى لقبت بذلك قبل إسلامها. اشتهرت برجاحة عقلها، وصبرها على دينها، وعرفت بنصرها للرسول صلّى الله عليه وسلم ولدين الإسلام، وقوة شخصيتها، وتمسكها برأي الصواب، وكانت خير من واسى الرسول صلّى الله عليه وسلم في بداية دعوته.

خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، تزوَّجها  -رضي الله عنها- النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم قبل نزول الوحي عليه بخمسة عشرة سنةٍ تقريبا، حيث كان عمره حين تزوجها خمساً وعشرين سنة بينما كان عمرها أربعين. وزوَّجها منه عمُّها عمرو بن أسد، فقال حين خطبها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يخطب خديجة بنت خويلد، هذا الفحل لا يُقدَع أنفه”.

 أما عن سبب زواجها فقد ذكرنا أن خديجة -رضي الله عنها- كانت ذات نسبٍ وشرفٍ ومال، وكانت امرأةً تاجرةً تستأجر الرجال فترسلهم إلى بلاد الشام بمالها وتجارتها، وقد سمعت عن رسول الله كرم أخلاقه وصدق حديثه وأمانته فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجراً إلى الشَّام على أن تعطيه ضعف ما تعطي غيره من التُّجار، فقبل -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

وخرج -صلى الله عليه وسلم- مع غلامٍ لخديجة اسمه ميسرة إلى الشّام حتى استظلَّا تحت شجرةٍ قريبةٍ من صومعة راهب من الرهبان، فأتى الرَّاهب ميسرة فسأله عن هذا الرجل وعلم أنه من قريش، فقال: “ما نزل تحت هذه الشجرة قطُّ إلا نبيّ”، ثم باع سلعته وربح ضعف ما كانوا يربحون، وحدَّث ميسرة خديجة -رضي الله عنها- بأمر الراهب وأخبرها بما ربحوا في تجارتهم فسُرَّت بذلك وأرسلت إلى النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالت له: “إني قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك”، ثم عرضت عليه نفسها، فلما قبل -صلَّى الله عليه وسلَّم- كلَّم أعمامه أبا طالبٍ وحمزة والعبَّاس فذهبوا إلى عمِّ خديجة فخطبوها إليه فتزوجها -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

وبعد هذا الزواج الميمون أنجبت خديجة -رضي الله عنها- زينب كبرى بنات النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ثم رقيَّة، ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة الزَّهراء، وولدت له من الأولاد القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله الذي كان يُلَقَّب بالطَّيِّب والطَّاهر، وقد ماتا صغاراً، ومن الجدير بالذِّكر أن جميع أولاد النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- من خديجة إلا ولده إبراهيم فهو من جاريته مارية.

بعدما نزل عليه الوحي أول من لجأ إليها النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعدما نزل عليه جبريل أول مرَّة مختلياً بغار حراء، فلجأ إليها خائفاً وقائلاً: زملوني، فزملته وطمأنته حتى ذهب عنه الرَّوع، وأخبرها بما جرى معه وكيف خشي على نفسه فما كان منها إلا أن تقول: (كَلّا أبْشِرْ، فَواللَّهِ، لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، واللَّهِ، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوائِبِ الحَقِّ). ثم انطلقت به إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل الذي كان يقرأ التوراة والإنجيل، فبشَّره بالنبوَّة.

السيدة خديجة -رضي الله عنها-خير نساء الجنة، وقد قرن الله بينها وبين مريم بنت عمران في الخيريَّة، قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (خَيرُ نِسائِها مَريمُ بِنتُ عِمرانَ ، و خيرُ نِسائِها خَديجةُ بِنتُ خُوَيْلِدٍ)، كما أنها واحدةٌ من النساء الأربع (مريم بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد) اللواتي بوَّأهُنَّ الله بأرفع المنازل.

روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أنّ النبي -عليه السلام- قال: (أَتَى جِبْرِيلُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: هذِه خَدِيجَةُ قدْ أتَتْ معهَا إنَاءٌ فيه إدَامٌ، أوْ طَعَامٌ أوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هي أتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا ومِنِّي وبَشِّرْهَا ببَيْتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ، ولَا نَصَبَ).

لم يتزوج عليها النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- حتى ماتت؛ لأنها أغنته عن غيرها، وهذه الفضيلة انفردت بها السيدة خديجة عن سائر أمهات المؤمنين.

وقد تربّعت خديجة -رضي الله عنها- في قلب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فكانت من أحبّ نسائه إليه، فوقعت الغِيرة منها في قلب عائشة -رضي الله عنها- على الرغم من أنّها متوفيةٌ، وفي ذلك روى الإمام مسلم في صحيحه: (ما غِرْتُ علَى نِسَاءِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا علَى خَدِيجَةَ وإنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قالَتْ: وَكانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فيَقولُ: أَرْسِلُوا بهَا إلى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ قالَتْ: فأغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلتُ: خَدِيجَةَ، فَقالَ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا).

توفّيت السيدة خديجة في السنة العاشرة من البعثة، بعد المقاطعة التي كانت لبني هاشم، وكانت قد بلغت من العمر حينها خمساً وستين سنةً، ودُفنت في مقبرة الحُجون، وقد دفنها الرسول، إلّا أنّه لم يصلِ عليها؛ إذ لم تكن صلاة الجنازة مشروعةً، وكان ذلك بعد وفاة عمّ الرسول أبي طالب بمدةٍ قصيرةٍ، فذكر الحاكم أنّها توفيت بعده بثلاثة أيامٍ، وقيل بشهرين وخمسة أيامٍ كما نقل ابن الجوزي، وسمّي ذلك العام بعام الحزن؛ لما كان فيه من تتابع الأحزان على النبي؛ بموت عمّه ثمّ زوجته.

زر الذهاب إلى الأعلى