موضوع

القصواء.. قصة الناقة التي رحلت برحيل الحبيب

 لا تظن أنك تشتاق للنبي صلى الله عليه وسلم وحدك، فهناك من الحيوانات والجمادات والطيور والشجر والحجر، من يشتاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منك، بل إن هناك من تبعه وتعلق بشرعه وعمل خادما تحت قدمه من هذه المخلوقات التي لا تنطق ولا تعقل، بأكثر مما فعلت أضعافا مضاعفة، فهو من حن الجذع شوقا لرؤيته، وهو من سبح الحصى في يديه، وهو من بكى الجمل شكوة إليه صلى الله عليه وسلم.

إلا أن هناك من نال شرف صحبته صلى الله عليه وسلم، وخدمته وليس هناك أكثر شرفا من القصواء وهي الناقة التي حملت جسده الشريف في الهجرة، حيث رافقت خير خلق الله في هجرته بل في حياته في مواقف شتى، وبدأت القصة حينما أتى بها سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لكي يرحلا معا إلى المدينة المنورة تاركين مكة، لكي ينشروا دين الله تبارك وتعالى في شتى الأرجاء، فكانت حكاية القصواء.

فبعدما عانى النبي صلى الله عليه وسلم، لنشر الدين الإسلامي الحنيف، ولقى من قريش صدا كبيرا لدعوته، وقدموا له العديد من الإغراءات لكي يتخلى عما يريد، اضطر النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة، فجاءت القصواء التي نالت شهرة واسعة لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم له كانوا يبجلون كذلك كل ما يخصه من أمور حتى دابته وراحلته، فكان الصحابة يكرمونها أي إكرام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكن لها حبا حتى أنه دافع عنها يوم أن بركت في صلح الحديبية فاتهما البعض أنها حزنت لكن النبي الكريم قال مدافعا عنها والله ما حزنت لكن حبسها حابس الفيل، أي أنها مأمورة بذلك فهو يعلم ما تكن ويعي جيدا معنى كل تصرف منها لذا دافع عنها أمام أصحابه.

لماذا أسميت القصواء؟

أطلق النبي صلى الله عليه وسلم اسم القصواء على الناقة المباركة، ومعنى القصواء يراد به ذلك البعير أو الناقة التي يتم قطع جزءا من أذنها ، وذلك في اللغة ، أما في الاصطلاح يعني اسم القصواء تلك الناقة أو البعير الذي أقصاه أي أبعده مالكه عن ما يتعبه من الخدمة أو الرعي، ويعني ذلك أنها ذات مكانة مرموقة فلا يريد صاحبها أن يشق عليها في الأعمال التي من شأنها أن تتعبها ، كذا لتبقى أمام عينيه طيلة الوقت ليرعاها ويعتني بها .
فقد أقصى النبي صلى الله عليه وسلم ناقته الجليلة القصواء عن العمل وسميت بذلك الاسم تكريما وتبجيلا لها، فكانت القصواء من الدواب المحببة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنها من الدواب الأصيلة وتتميز أيضا بسرعتها وقوتها مقارنة بأي دابة أخرى ، لذا شهدت مع الرسول الكريم أهم الأحداث مثل صلح الحديبية وفتح مكة وخطبة الوداع الأخيرة ، التي كان صلوات الله عليه وسلامه يوصي بها المؤمنين على دينهم، فقد كانت القصواء صاحبة مكانة عظيمة ، حتى بعد وفاة النبي ولا زال أحفادها لهم من المكانة مالهم تكريما لجدتهم القصواء .
وروي في صحيح البخاري من حديث عائشة : أن النبي اشترى راحلة الهجرة من أبي بكر الصديق ، وهما راحلتان اشتراهما أبو بكر ، فجاء بإحداهم وقال له : “فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين ، قال رسول الله : ” بالثمن ” قالت عائشة فجهزناهما أحدث الجهاز  .

من بركات القصواء

كانت القصواء سببا في اختيار موضع المسجد النبوي، عندما بركت في ذلك الموضع الذي يملكه أولئك الغلامين اليتيمين ليكون ذلك المسجد الطاهر الذي يأتي إليه المسلمون من شتى أنحاء العالم لزيارته ، وزيارة رسولنا الكريم .
ووصفها سيدنا سعيد بن المسيب أنها كانت سريعة لا تستطيع أي ناقة أخرى أن تسبقها ، وكان لونها أحمر ما بين الأبيض والأسود لكنها تقترب من اللون الأبيض ولدت في بني قشير بمنطقة تسمى مضارب في شبه الجزيرة العربية .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاملها بكل رفق ولا يحملها فوق طاقتها ولم يقم بتعنيفها وضربها قط في حياته، كما أن لها العديد من المواقف التي تعتبر من المعجزات كوقوفها في مكان الحديبية وعدم سيرها حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذلك بأنها مأمورة ، ومن العلامات أيضا بركها في قطعة الأرض التابعة للغلامين اليتيمين لاختيار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المنطقة .
وكانت القصواء مطية النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فبها وصل إلى عرفات ليقضي يوم عرفة ، كما كانت راحلته في المزدلفة عند المشعر الحرام وعليها ألقى خطبته الخالدة التي وضح فيها للمسلمين أمور دينهم ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سارَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتَّى وصل لعرفةَ فوجدَ القبَّةَ التي ضربت لَهُ بنَمِرةَ فقضى وقته بِها حتَّى إذا مالت الشَّمسُ أمرَ بالقصواءِ فرُحِلَت لَهُ .

وفي الهجرة تشقق قدم القصواء من صعوبة الطريق وقسوته ، حتى أن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه استعان بصديق له لكي يطلب منه زاد وماء وناقة أخرى تساعدهم على السير بعد تعب القصواء والناقة الأخرى ، وأتى له صاحبه بقربة من الحليب وناقة ، كما طلب منه دليل آخر غير عبدالله بن أريقط .
وكانت القصواء تعرج من شدة الألم والطريق الصعبة التي كانوا يسيرون بها خوفا من المشركين ، فقد عانت القصواء والناقة الأخرى معاناة تلك الرحلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق .

ونال أحفاد القصواء مكانة عظيمة بين الناس تكريما لجدتهم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ينتشر الأحفاد حتى الآن بين الركب وكأنهم يتفقدون أثر جدتهم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلك التي جعلتهم ينالون تلك الشهرة الكبيرة .

وفاة القصواء

توفيت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء بعد وفاة الرسول بثلاثة أشهر ، حزنا وكمدا على فراق سيد الخلق حتى أنها فقدت بصرها ، ولم تعد ترى كما أنها كانت لا تأكل من الحزن عليه ، وكان صحابة رسول الله يتركونها كهذا دون تقييد ، وقد توفيت في خلافة أمير المؤمنين الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه .

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى