موضوع

العلامة عبد الحميد ابن باديس,, الزعيم الروحي للثورة التحريرية

هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن باديس الصنهاجي. ولد بمدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني 1307 هـ الموافق لـ 4 ديسمبر 1889 م على الساعة الرابعة بعد الظهر، وسجل يوم الخميس 12 ربيع الثاني 1307 هـ الموافق لـ 5 ديسمبر 1889 م في سجلات الحالة المدنية التي أصبحت منظمة وفي أرقى صورة بالنسبة لذلك العهد كون الفرنسيين أتموا ضبطها سنة 1886 م.

نشأ ابن باديس في بيئة علمية، فقد حفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، فكان من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاهه الـديـنـي، ولا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له: “اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة”، بل أخذ عليه عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا. وقد عرف دائماً بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين في قسنطينة.

في عام 1908 م قرر ابن باديس -وهو الشاب المتعطش للعلم- أن يبدأ رحلته العلمية الأولى إلى تونس، وفى رحاب جامع الزيتونة الذي كان مقراً كبيراً للعلم والعلماء يُشبه في ذلك الأزهر في مصر. تخـرج الشيخ من الزيتونة عام 1912 م وبقي عاماً آخر للتدريس حسب ما تقتضيه تقاليد هذه الجامعة، وعندما رجع إلى الجزائر شرع على الفور بإلقاء دروس في الجامع الكبير في قسنطينة، ولكن خصوم الإصلاح تحركوا لمنعه، فقرر القيام برحلة ثانية لزيارة أقطار المشرق العربي.

بعد أداء فريضة الحج مكث الشيخ ابن باديس في المدينة المنورة ثلاثة أشهر، ألقى خلالها دروساً في المسجد النبوي، والتقى بشيخه السابق أبو حمدان الونيسي وتعرف على رفيق دربه ونضاله فيما بعد الشيخ البشير الإبراهيمي. وكان هذا التعارف من أنعم اللقاءات وأبركها، فقد تحادثا طويلاً عن طرق الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة واضحة في ذلك. وفي المدينة اقترح عليه شيخه الونيسي الإقامة والهجرة الدائمة، ولكن الشيخ حسين أحمد الهندي المقيم في المدينة أشار عليه بالرجوع للجزائر لحاجتها إليه

وصل ابن باديس إلى الجزائر عام 1913 م واستقر في مدينة قسنطينة، وشرع في العمل التربوي الذي صمم عليه، فبدأ بدروس للصغار ثم للكبار، وكان المسجد هو المركز الرئيسي لنشاطه، ثم تبلورت لديه فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين، واهتماماته كثيرة لا يكتفي أو يقنع بوجهة واحدة، فاتجه إلى الصحافة، وأصدر جريدة المنتقد عام 1925 م وأغلقت بعد العدد الثامن عشر؛ فأصدر جريدة الشهاب الأسبوعية، التي بث فيها آراءه في الإصلاح، واستمرت كجريدة حتى عام 1929 م ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها”، وتوقفت المجلة في شهر شعبان 1328 هـ (سبتمبر 1939 م) بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وحتى لا يكتب فيها أي شيء تريده الإدارة الفرنسية تأييداً لها، وفي سنة 1936 م دعا إلى مؤتمر إسلامي يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر، وقد وجه دعوته من خلال جريدة لاديفانس التي تصدر بالفرنسية، واستجابت أكثر التنظيمات السياسية لدعوته وكذلك بعض الشخصيات المستقلة، وأسفر المؤتمر عن المطالبة ببعض الحقوق للجزائر، وتشكيل وفد سافر إلى فرنسا لعرض هذه المطالب وكان من ضمن هذا الوفد ابن باديس والإبراهيمي والطيب العقبي ممثلين لجمعية العلماء، ولكن فرنسا لم تستجب لأي مطلب وفشلت مهمة الوفد.

ويذكر عن هذه الرحلة موقفه مع وزير الحربية الفرنسي “دلادييه” أثناء ذهاب وفد المؤتمر الإسلامي إلى باريس في 18 يوليو 1936؛ حيث هدد الوزير الفرنسي الوفد الجزائري وذكرهم بقوة فرنسا وبمدافعها بعيدة المدى قائلاً: “إن لدى فرنسا مدافع طويلة”، فرد عليه ابن باديس: “إن لدينا مدافع أطول فتساءل “دلادييه” عن أمر هذه المدافع؟ فأجابه ابن باديس: “إنها مدافع الله”.

تعد مجلة «الشهاب» التي أنشأها ابن باديس في أواسط العشرينات واستمرت حتى وفاته إلى جانب «البصائر» في سلسلتها الأولى مرجع الحركة الإصلاحية ونهضتها الفكريّة والأدبيّة في حياة ابن باديس.

تخرّج على ابن باديس جيل من العلماء والمصلحين ورجال التعليم، ورموز الفكر والأدب في الجزائر الحديثة، وفي مرحلة رئاسته لجمعية العلماء، تبلورت أفكارها، وتركزت دعائمها، وتعدّدت مناشطها، وتنامت مدارسها وتكاثر أتباعها، حتى أصبحت هذه الحركة مع حركات إصلاحية مماثلة، الحصن الحصين للشخصية العربيّة المسلمة في وجه الفَرْنَسة والتغريب.

من أقوال ابن باديس: «لقد تعربت الأمّة الجزائريّة تعرباً طبيعيّاً، اختياريّاً، صادقاً، فهي في تعربها نظيرة إسماعيل جد العرب الحجازيين، فقد كان من العرب لما شب في مهدهم ونطق بلسانهم، وتزوج منهم. وليس تكوّن الأمة بمتوقف على اتحاد دمها. ولكنه متوقف على اتحاد قلوبها، وأرواحها وعقولها، اتحاداً يظهر في وحدة اللسان وآدابه، واشتراك الآلام والآمال».

دأب ابن باديس طوال حياته على العمل، يصل الليل بالنهار، لبعث الجزائر العربية المسلمة، وليقول قولته التاريخيّة هذه في وطنه العربي المسلم. وقد دخل ابن باديس الميدان الإصلاحي، وفي سلوك المسلمين ضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، والعروبة لا يكاد يسمع لها حسيس في الديار الجزائريّة، فرابط في مواجهته مرابطة الجندي المجهول، وآمن بالأبعاد التي عشيت عنها فلاسفة الاستعمار. حتى أخرج إلى الوجود شعباً قال عنه: «لوجئناه بعد عشرين سنة لما أدركنا فيه قابلية للعلاج» ولكنّ الله أراد خيراً بهذا الشعب، فبعث فيه من آمن بنشوره، بعد إيمان الكثير بموته.

فعروبة الجزائر عند باعث نهضتها، ليست عروبة خطابة أو تهريج، أو حماسة جوفاء، إنّه وهو يذكيها بأنفاسه الملتهبة، ويرويها من عرقه المتصبب، ويرعاها العشرات من السنين، يعطيها من الدراسة النظريّة حقها، ويستمد لها من التاريخ العميق أصالتها، ويواجه أعداءها المتنكرين لها، أو الناكرين لها، مواجهة الحجة بالحجة، ويقف من عروبة الجزائر موقفه من العروبة عامة. وهو مع ذلك لا ينكر وجود الأصول الأمازيغية في الجزائر.

أصدر ابن باديس جريدة «المنتقد» سنة ،1924 ثمّ مجلّة «الشهاب» الأسبوعيّة سنة 1925 ثمّ تحوّلت سنة 1929 إلى مجلّة «الشهاب» الشهريّة، واستمرت منتظمة الصدور حتى سنة 1939م.

من أقواله: «إنّ هذه الأمّة الجزائريّة، ليست هي فرنسة! ولايمكن أن تكون فرنسة! ولا تستطيع أن تكون فرنسة ولو أرادت! بل هي أمّة، بعيدة عن فرنسة كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها وفي دينها».

‏في صيف 1939 دخلت فرنسا الحرب ضد ألمانيا وطلبت من جمعية العلماء في ‎الجزائر رسالة تأييد وتضامن معها ! عندها قال الإمام عبدالحميد بن باديس كلمته المشهورة: “والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله ما فعلت “!

وبعض المؤرّخين يرون أنّ ابن باديس هو الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائريّة وما أخطؤوا القصد.

لم يتفرّغ ابن باديس للتأليف في غمرة مدافعة الاستعمار عن وطنه، وإنما رابط للتربية والتعليم في أوساط الشباب، والوعظ والإرشاد في إصلاح المجتمع، وتفسير كتاب الله، وسنّة رسوله وتغذية الصحافة الإصلاحية بافتتاحياته الهادفة، ومقالاته الفاصلة، ومجالس التذكير.

وفاته

وقد أصيب بمرض السرطان في الأمعاء وفي مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359هـ الموافق 16 أبريل 1940 م أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه. فخرجت قسنطينة كلها تودعه الوداع الأخير في تشييع جنازته. وقد دُفن في مقبرة آل باديس بقسنطينة بعد حياة أوفى فيها بعهده: “إني أعاهدكم على أن أقضي بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما وإنها لواجبات.. وإنني سأقضي حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن وهذا عهدي لكم” (من “آثار ابن باديس العلمية”

وجدير بالذكر أنّ ذكرى وفاة ابن باديس في 16 أفريل، هي «عيد العلم» السنوي للجزائر المعاصرة، منذ استقلالها.

زر الذهاب إلى الأعلى