عالمموضوع

الدكتور جمـال لكحــل.. خـبـيــر مـيـكانيــك المـوائــع

النشأة الأولى، والدّراسة الابتدائية:


في حنايا مدينة باتنة الغراء، بين جبال الأوراس الشامخة، ولد جمال لكحل يوم التاسع من نوفمبر المجيد خمسة وستين تسعمائة وألف (1965م)، في عائلة ثورية حيث كان الجد مجاهدًا؛ والعم شهيدًا.


ترعرع ابن “عبد المجيد لكحل” و”زهرة بن شدة” ضمن عائلة متعلمة مثقفة، فالوالدان تلقيا تعليمهما معًا -في المدرسة الفرنسية؛ في نفس القسم- بمدينة “سريانة” ولاية باتنة؛ والجد كان مثقفا في عصر الاستعمار الذي قلّ فيه المتعلّمون: “جدي رحمه الله، ولد عام 1909م وكان ثلاثي اللغة، وكان له خط رائع، أتذكره وهو يكتب الرسائل بالعربية وبالفرنسية”.


حوالي 1957م انتقلت عائلة لكحل إلى مدينة باتنة، وبدأ الوالد عبد المجيد العمل صغيرًا في مجال المحاسبة المالية والإدارة، واستفاد التلميذ جمال من المستوى التعليمي للوالدين؛ وعن ذلك يقول: ” للعائلة أثر كبير: فأنا ابن مثقف، وابن مثقفة. ولقد كبرت ما بين الكتب، وكان الوالدان ممن اعتاد على المطالعة. الكتابة بالفرنسية الجميلة تعلمتها من يد الوالدة رحمها الله، أما الوالد فعلمني الحساب”.


عشر سنوات بعد الاستقلال كانت بداية المسار التعليمي للصبي جمال، حيث درس السنة التحضيرية في المدرسة القرآنية في “حي السْطُون” وسط المدينة – كان بالأصل مسجدًا صغيرًا -، وكان جمال يذهب إليها فجرًا رفقة جاره الإمام “الشيخ عبد الصمد”، وكان بعد ذلك يزاوج بين المدرسة القرآنية والمسجد صباحا، والمدرسة الابتدائية بحر النهار.


في سنة 1971م التحق جمال بالمدرسة الابتدائية ” عبد الرحمان الأخضري “، وكان من أسباب اختياره لها: أنّ مديرها السيد ” قدور خزندار ” وزوجه –معلّمته في اللغة الفرنسية- هما من درّسا والديه من قبل في “سريانة”.


يصف البروفيسور مدرسته الابتدائية بأنها تمتاز بالانضباط ومتابعة أدقّ التفاصيل في النظافة الشخصية والتنظيم، وفي ذلك يقول: ” ممن أثر فيّ كثيرا مدير مدرسة عبد الرحمن الأخضري، السيد: “قدور خزندار” رحمه الله. وكذلك زوجته -لعلّها قيد الحياة-. كنّا في المدرسة نضع مناديلنا مكويّة مطويّة فوق الطاولة، وكان المدير يراقب شعر كلّ تلميذ، وأظافره”.


وفي المرحلة النهائية للابتدائية عام 1977م كان ورفاقه في الدّفعة كلّهم من الناجحين، وكان عددهم ثلاث وعشرون تلميذا؛ ومن بين أهم أصدقائه الذين درسوا معه: ” كمال مصمودي” و “توفيق وطاس” و”مراد إيفروجن” وغيرهم.

الفترة من المتوسّط إلى الثانوي:


نجح الفتى جمال في اجتياز المرحلة الابتدائية بعد تكوين رصين على يد معلّمين أكفَاء؛ تركوا أثرهم في شخصيته ومساره؛ من بينهم: أساتذته “بن ديحة”، و”موسى بوعرعور”، و”الأستاذة شيخي”، ودون نسيان الأستاذة ” خزندار” التي درّسته اللغة الفرنسية بطريقة مميزة استفاد منها في مساره الأكاديمي.


اجتاز مرحلة المتوسط بـ” إكمالية الإخوة العمراني”، فكانت مرحلة جديدة كبر فيها التلميذ جمال.


جمال متعلق جدا بأصوله؛ فقد كان يقضي العطلة الصيفيّة مع عائلته في مسقط رأسه “سريانة”، للمكوث فيها لبعض الوقت مع أخواله، إضافة إلى ذلك كان يتفسّح في مختلف المناطق الطبيعية التي تزخر بها منطقة الأوراس وبعض القرى المجاورة، قصد الاستجمام وتغيير الأجواء.


في عامه الثّاني وظّف والده عبد المجيد في مدينة “المغيَّر” -ولاية الوادي-، وأكمل جمال مرحلة المتوسط بها؛ من أبرز أساتذته في هذه المرحلة: الأستاذ “مراكشي” الذي بقي راسخًا في ذهنه، لما تميز به من تمكّن في مادة الرياضيات، وكذلك أستاذته في اللغة الفرنسية “زهرة الفاهم”.


ومن الذكريات الجميلة التي يذكرها في مدينة “المغير”، تعلّمه ركوب الدراجة التي كانت منتشرة كثيرا هناك، كما انضم إلى فريق لكرة اليد بالمدينة.


إلى مدينة “تقرت”؛ انتقل التلميذ جمال؛ بغية إكمال الدراسة في شعبة الرياضيات بثانوية “الأمير عبد القادر” ما بين: 1981م و1984م.
وفي هذه الفترة سكن في الإقامة الداخلية للثانوية وكان يزور أصدقاءه في منازلهم ويتعرف على عائلاتهم، كما أتيحت له الفرصة لتذوق الشاي الأخضر المميّز ولعب الكرة الحديدية…


تأثر الطالب جمال كثيرًا بالمراقب العام في الثانوية السيد “درويش” الذي كان يتابع الطلبة عن كثب، يشجعهم ويدفعهم لبذل المزيد من الجهد، وكان قدوتهم في النظام والانضباط.


من أصدقاء الثانوية المقربين الذين رسخوا في ذاكرة جمال: “نبيل كافي”، و”بن عبد الصادق”، و”معاذ سايح ” الذين جمعتهم به رياضة كرة اليد والدراسة، كذلك ” ياسين بن عودة ” الذي لا زالت علاقته به مستمرة إلى الآن إذ يزوره جمال مع عائلته كل مرة.


المرحلة الجامعية باتنة-بومرداس:


بعودة العائلة إلى باتنة سنة 1984م ، وتزامنا مع حصول جمال على الباكالوريا، سجل في جامعة بومرداس، لكونه متمكنا من اللغة الانجليزية، فقد كان يحب تعلمها منذ الصّغر، واستثمر فرصة ذهبية لما كان يدرس في ثانوية الأمير عبد القادر “بتقرت”؛ وتتلمذ على يد أستاذ بريطاني من جامعة لندن.


كان تخصص الطالب جمال تقنيا، إلا أن له ميولا للأدب والفلسفة، فكان يدرس الأدب الفرنسي مع طلبة القسم النهائي (الباكالوريا) شعبة آداب.

في بومرداس انضم إلى المعهد الالكتروني INELEC (Institut National d’électronique et de Génie Electrique)، وكانت له فرصة اللقاء والدراسة مع مختلف أطياف المجتمع الجزائري، هذه الفرصة مكّنت جمال من رفع كفاءته في اللغة الإنجليزية، والتداول في العديد المواضيع كالسياسة وغيرها، كما أنه درَس شهرا في معهد IAP (L’Institut Algérien du Pétrole).


انتقل بعدها إلى جامعة باتنة وأمضى بها خمس سنوات في تخصص ” الطاقة”: من 1985م إلى 1990م، وكانت صعبة لعدم توفر الوسائل اللازمة كأجهزة الحاسوب، وانعدام التطبيق، هذا لم يمنع جمال الطالب من النجاح والتفوق، وإبهار أساتذته في فرنسا –فيما بعد- الذين لم يستوعبوا فكرة نجاحه وامتيازه في هذا المجال من دون حواسيب تقوم بمحاكاة ما يدرسه نظريا.


من أهم الطلبة الذين درسوا رفقة البروفيسور جمال:” بن موسى”، ” كمال حركات”، وأقربهم إليه :” لزهر سرير”، و” كمال قجوج” وهو حاليا مهندس في دولة الإمارات ، و” بن دعاس شادولي” الذي درس معه في فرنسا –بعد ذلك- وأقام معه.


من أبرز أساتذته في هذه المرحلة: الأستاذ “بوبكر زاوش”، و”فريد سالم” و”صالح دراجي”، وكذلك الفرنسي “Marc Haglind” الذي شجعه كثيرا لمواصلة دراسته في فرنسا.


في 1988م أسّس البروفيسور في جامعة باتنة؛ ناديا ثقافيا أطلق عليه تسمية ” Le Mequanou “، حيث يعمل هذا النادي على إصدار مجلة علمية دورية يشارك فيها جمال بمقالاته، وعمل النادي أيضا على تنظيم تكوينات وملتقيات مختلفة، في هذه الفترة كان جمال في عز نشاطه، يستغل وقته بين الدراسة والأنشطة العلمية والثقافية، وهذا النادي لا يزال ينشط في جامعة باتنة ضمن قسم الميكانيك إلى اليوم.


أكمل الطالب جمال مرحلة الجامعة بسنواتها الخمس بصفة عادية، إلا العامين الأخيرين الذين تزامنا مع الأحداث التي عاشتها الجزائر سنة 1988م وما بعدها.

التخصص وما بعد التدرّج:


في فرنســا:
انتقل البروفيسور جمال إلى فرنسا بحثا عن نفَس جديد وأفق أرحب، وفي هذا يروي قصة حدثت له مع أمه، فعندما كان في السابعة من عمره سألها: ” هذه الطريقة التي نحيا بها صباحَ مساءَ، بغداء وعشاء ثم نوم واستيقاظ، هل هي الطريقة الوحيدة؟ ألا يوجد شيء آخر غير ذلك نفعله؟ أجابته أمه: لا . . بل يوجد شيء آخر عليك أن تبحث عنه.


“البحث عن شيء آخر” كانت العبارة التي قادته بعد ذلك إلى فرنسا، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، مباشرة بعد إكمال دراسته في باتنة محملاً بالزاد المعرفي؛ ومفعمًا بحب الوطن؛ مصحوبًا برضا والديه.

في مدينة نانت انتسب جمال إلى المدرسة المرموقة “المدرسة المركزية نانت” ، لكن بعد اجتياز امتحان استدراكي خاص بالطلبة غير المنتسبين للمدرسة، للالتحاق بزمرة الطلبة النجباء.


كانت سنته الأولى في المدرسة صعبة، ولكن رغم ذلك حاز على الماجستير في تخصص ميكانيك الموائع سنة 1991. ثم تحصّل على شهادة الدكتوراه في شهر ديسمبر سنة 1994 من ذات المؤسسة.
ومن هنا كانت بداية الرحلة…


لاحظ القائمون على “المدرسة المركزية نانت” في ملف جمال الدراسي، أن بحثه في الماجستير كان حول محاكاة إلكترونية “simulation numérique”؛ وهي عبارة عن مجموعة من الخوارزميات ضمن ما يسمى بالرياضيات التطبيقية ” math appliqué “، كانت نظرية فقط، وهذا لعدم توفر كمبيوتر يقوم بهاتة العمليات التطبيقية ومحاكاتها ، وهذا ما أثار حيرة القائمين على المدرسة؛ كيف استطاع الطالب جمال القيام بهذا الأمر من دون حاسوب، وقد كان ذلك سببا في حصوله على منحة الدولة الفرنسية للقيام بأطروحته في الدكتوراه خلال الثلاث سنوات القادمة، وبعدها تهاطلت عليه العروض من عدّة جامعات مختلفة.


في ألمانيا :
في الفترة الممتدة ما بين 1995 و1997، تحصل الطالب على منحة من المفوضية الأوروبية؛ للدراسة والبحث في ألمانيا، حيث انتسب إلى واحد من خيرة مخابرها، وهو مخبر جامعة كارسلوه – Karlsruhe – أين يقوم الجيش الألماني بتجاربه على ما يسمى بـــ: ” La turbidité”.


خلال هاته المرحلة حصل تغير آخر، بحصوله على منحة جديدةdfk bourse- – سمحت له بالتنقل في ألمانيا للبحث، فانتقل إلى الجامعة التقنية ببرلين أين أجرى أبحاثًا على: angene maritime- – فأمضى فيها 4 سنوات في البحث. لكن وبسبب إصابته بمرض الرّبو اضطر للمغادرة والبحث عن مدينة أخرى يكون فيها الهواء نقيًا وعليلاً، فكانت الوجهة هذه المرة إلى سويسرا التي استقر فيها إلى غاية اليوم.

في سويسرا:
المدرسة المتعددة التقنيات بزيوريخ ETH-ZURICH:
كانت المدرسة المتعددة التقنيات فرصة للباحث جمال لاختبار أفكاره؛ فبخلفيته الكلاسيكية في ميكانيك الموائع كان عليه أن يبرهن لأصحاب التوجه الجديد والذي يعتمد على الفيزياء الحديثة -باعتبار أنها نجحت في الصناعات والبحوث الحربية، والديناميكا الهوائية-، أن ما يؤمن به يمكن أن يحقق نتائج مهمة أيضا. وقد برهن الزمن بعد ذلك على قوة أفكاره والفريق الذي كونه، حيث قاموا بتجارب واكتشفوا أمورا جديدة في علاقة ميكانيك الموائع بـ: “ميدان الطاقة: البترول، الطاقة النووية، الموائع المجهرية”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: